الصفحة 234 من 604

وافر من الجهاد في سبيل الله حتى عَلَتْ راية الدين،وعدَّه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ضِمْنَ العشرة الذين بشَّرهم بالجنة،بل منحه مقاما آخر حينما عدَّه حوارِيَّه،أيْ: صاحبه في الجنة..

وقد أعطى الزبير لدينه بعد النبي كما أعطاه والنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حيٌّ بين الناس،وجاءت الفتنة لِيُبتَلَى فيها الزبير،فقد رأى ـ كغيره من الصحابة ـ أن عثمان قُتل مظلوما،وأن القصاص من القتلة واجب ديني لا ينبغي التفريطُ فيه.. واختار أن يخرج لقتال هؤلاء المجرمين بنفسه،وكان يشعر بأن الأمر ملتبس لا يَبِينُ فيه الحقُّ جَلِيًّا،فكان يقول:"والله ما أخذ أصحاب محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مُذْ بعث الله ـ عز وجل ـ نبيَّه طريقًا إلا عَلِمُوا أين مواقعُ أقدامِهم،حتى حدث هذا؛ فإنهم لا يَدْرون أمُقْبِلون هم أم مُدْبِرون"!!

وقد لعبت يدُ الفتنة دورا حتى وجد الزبيرُ نفسَه في جيشٍ يواجه ويقاتل جيشَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب،دون أن يكون أحدهما قاصدًا ظلمَ أخيه...

ولكن حتى في هذه الفتنة الملتهبة لم يكن أصحاب رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يَدَعُون الاعترافَ بالحق والوقوفَ عنده؛ فهذا عليّ بن أبي طالب يأتي إلى الزبير ابن عمته يذكِّره ـ والقتالُ مشتعلٌ ـ بموقفٍ لهما بين يَدَيْ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول له: يا زبيرُ،أَنْشُدُكَ اللهَ،أسمعتَ رسولَ الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول:"إنك تقاتلني وأنت ظالم"؟ قال: نعم،لم أذكرْه إلا في موقفي هذا،ثم انصرف،وتَرَكَ ساحةَ القتال.

وراح الزبيرُ على دابّته مسرعا يشق الصفوف إلى أمِّ المؤمنين عائشة،فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقلْتُ إلا وأنا أعرِفُ فيه أمري،غيرَ موطني هذا،قالت: ما تريد أنْ تصنع؟ قال: أريد أنْ أدَعَهم وأذهبَ.

وترك ميدان القتال،ومضى،فاتبعه عمرو بن جُرموز،وكان في عسكر للأحنف بن قيس،وحضرت الصلاةُ،فلما سجد الزبير مُسَبِّحًا ربَّه الأعلى،طعنه ابنُ جُرموز،فقتله،وأخذ فرسَه وسلاحَه وخاتمَه،ودفنه بوادي السباع.

وعاد القاتلُ يَستأذن للدخول على أمير المؤمنين عليّ،فقال عليّ: ائذنْ له وبشِّرْه بالنار! وأُحضِرَ سيفُ الزبير عند عليّ،فأخذه،فنظر إليه،وقال: طالما جَلى به الكربَ عن وجه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - . ثم بعث به إلى عائشة.

وكان استشهادُ الزبير في سنة ست وثلاثينمن الهجرة،وكان عمرُه حينَها سبعًا وستين سنة،وقيل: أكثر.

ذاك رجلٌ آخرُ من الأصفياء الذين سالتْ دماؤُهم الزكيّة في ساحات الفتنة،وهو ممن عملوا للدين منذ دُعِيَ إليه في أيام الإسلام الأولى بمكةَ،وشارك في مواقع الجهاد وساحاته حتى بشره رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالجنة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت