فهرس الكتاب
وقد خرج طلحةُ والزبيرُ ومعهما أمُّ المؤمنين عائشةُ لِقَتْلِ مَنْ قَتَلَ أميرَ المؤمنين عثمانَ،لكنهم وجدوا أنفسَهم في مواجهة أمير المؤمنين عليٍّ بدلا من القَتَلَةِ ومثيري الفتنة،ورأى طلحةُ أمامَه ساحةً تَمُوجُ بالفتن،لا يُعرف فيها الحق من الباطل،فلما دعاه عليّ وذكَّره بأعمالِه وسوابِقِه رَجع عن القتال،واعتزل في بعض الصفوف،فأتاه سهمٌ لا يُعرَف رامِيه،فأصاب رُكبتَه،وسالَ منه الدمُ غزيرًا،فلما رآه القعقاعُ بن عمرو قال له:"يا أبا محمد،إنك لجريح،وإنك عما تريد لَعَلِيلٌ،فادْخل البيوتَ"فدخل ودمُه يسيل وهو يقول:"اللهمَّ خُذْ لعثمان مِنِّي حتى يرضَى"؛ فلما امتلأ خُفُّه دَمًا وثَقُلَ،قال لغلامه ارْدُفْني وأمْسِكْني وأبْلِغْنِي مكانا أنزل فيه. ومر به رجل من أصحاب عليٍّ،فقال له طلحةُ: أنت من أصحاب أمير المؤمنين؟ قال: نعم،قال: امْدُدْ يَدَكَ أبايِعْك له،فبايَعه مخافةَ أن يموت وليست في عُنُقِهِ بَيْعةٌ.
وحمله غلامُه حتى انتهى به إلى دار خَرِبَةٍ من دُور البصرة،وقال طلحة:"لم أرَ كاليوم شيخا أضْيَعَ دمًا مِنِّي"،وكان إذا أمسكوه فَتَرَ الدَّمُ،وإذا تركُوه انْفَجَرَ،فقال لهم: اتركوه،فإنما هو سهم أرسله الله". فمات في تلك الخَرِبَةِ ـ رضي الله عنه ـ ودُفِنَ في بني سعد،وصُلِّيَ عليه."
أمر عليّ يوم الجمل بعدم الإجْهاز على جرحى أهل البصرة،وعدمِ تتبُّع الفارِّين،لكن قوما معه خالفوا أمره،فدَفع الديات لأولياء القتلى من بيت المال،وجمع في أرض المعركة ما يخص المنهزمين من الأمْتِعَةِ والأموال،ثم بعث به إلى مسجد البصرة،وقال: مَنْ عَرَف شيئا فليأخذْه،إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سِمَةُ السلطان.
ولم يتعرض ـ رضي الله عنه ـ لما في دُور البصرة من المتاع والأموال بعد وقعة الجمل،بل تركها إلى أصحابها،إلا ما كان من خراج بيت مال المسلمين،فإنه أخذه ليضمَّه إلى أموال الدولة.
لكنَّ أمْرَ الجند لم يمكنْ ضبطُه بدقة؛ إذْ تصرف بعضهم بخلاف ما أُمر به الإمام؛ ولذلك كان عليّ ـ رضي الله عنه ـ يدعو البُغَاة بعد القدرة عليهم إلى استرداد ما يجدونه من أموالهم في يد أحد من جنده،وقد وجد رجل من أهل الجمل قِدْرًا له في يَدِ رجُل من أصحاب عليّ كان قد أخذها من بيت ذلك الرجل ليطبخ فيها،فاستردّها.
وكان أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ لا يُحِل قتلَ أحدٍ من أسْرى مخالفيه من المسلمين ولا استرقاقَه،ولا يُحل سَبْيَ ذَرارِيهم.
وقد طعن عليه مثيرو الفتنة عقب موقعة الجمل،فقالوا: كيف يُحل دماءَهم ولا يُحل أموالَهم؟ فبلغ ذلك عليّا،فقال:"أيُّكم يحب أن تصيرَ أمُّ المؤمنين في سهْمِه (أي من سباياه) ؟!!"،فسكت القوم. ولما دخل البصرة فرَّقَ في أصحابه أموالَ بيت المال.
بعد أن انتهت معركة الجمل أَدْخَلَ أميرُ المؤمنين عليٌّ أُمَّ المؤمنين عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ في أعظم دار في البصرة،وأكرم نُزُلَهَا،وعاقب من انْتَقَصها. ولما أرادت الرحيل جهّزها بكل ما تحتاجه من مركب وزاد ومتاع،وأخرج معها كل مَنْ نجا ممن خرج معها،إلا مَنْ أحب المُقام،وأمر لها باثْنَيْ عشرَ