بكر على ذلك،وجاء عمر فأدخل نظام العسس،وهو الطواف بالليل لحراسة الناس وكشف أهل الريبة،فكان يتجول في المدينة ليلا في صحبة عبد الرحمن بن عوف أو غيره لمعرفة حاجة المسلمين وقضاياهم،فربما وجد شيخا أعانه،أو أطفالا جلب لهم الطعام من بيت المال،أو امرأة تتحدث عن زوجها الغائب في الجهاد منذ زمن،فرتب لعودته إلى بيته كل فترة من الزمن.
إلا أن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب هو صاحب الفضل في تنظيم أمور الشرطة،وتوظيف الناس للقيام بذلك،و سمى متولي الشرطة بـ"صاحب الليل"أو"صاحب المدينة".
منذ زمن بعيد عرف الإنسان تبادل الرسائل،وكانت تقل أهمية ذلك بطبيعة الحال في الشعوب الأمية،ومع أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان أميا من أمة أمية،إلا أن الرسائل كانت لها أهمية كبيرة لديه في حمل صوت دعوته إلى الملوك والرؤساء في الدنيا من حوله،وجاء أبو بكر فسار على نفس النهج.
إلا أن عمر بن الخطاب خطا بالبريد خطوات كبيرة إلى الأمام،فنظم حركته،وطوعه ليخدم أغراض الخليفة في دوام الاتصال بعماله وقادة جيوشه،وليخدم الرعية باستمرار اتصالهم بذويهم في جبهات القتال. وكان البريد الرسمى الذى تبعث به الخلافة غير محدد بموعد؛ لتجدد حاجة الخليفة والقادة والولاة إلى تبادل الاتصال ببعضهم البعض،وأما البريد الذى يخدم الرعية فكان له وقت يقدُم فيه ووقت ينصرف فيه.
وراعى الراشدون عنصر الزمن في تبادل الرسائل،فكان القائم على البريد يقطع مسافة معينة،ثم يتسلم البريد شخص آخر مستريح يركب دابة مستريحة لضمان السرعة في وصول البريد،خاصة في المواقف الحاسمة،وهكذا حتى يصل البريد إلى صاحبه.
واستمر حال البريد في عهد عثمان بن عفان على هذه الحال،إلا أنه استغل في مرحلة من المراحل استغلالا سيئا،حينما كُتب كتاب باسم أمير المؤمنين إلى والي مصر ليؤدب بعض الثائرين،فقبضوا على صاحب البريد،مما كان سببا في زيادة الثورة على عثمان حتى قتل مظلوما .
وفي عهد علي بن أبي طالب ضمر الدور الكبير للبريد بسبب الأزمات الداخلية التي أعقبت استشهاد أمير المؤمنين الثالث عثمان،وإن كان المؤرخون ينقلون كثيرا من الرسائل المتبادلة بين علي ومعاوية.
أحس أبو بكر بعد مبايعته مباشرة كخليفة لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بأن حملا ثقيلا قد ألقى على عاتقه،وقد كان يشعر بذلك في لحظات السقيفة الصعبة،لكنه بعد أن أصبح خليفة بالفعل صار هذا الإحساس يملأ صدره.. عرف الصحابة ذلك في وجهه،فقال له أبو عبيدة: أنا أكفيك بيت المال،وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء،فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان!
لقد كان القضاء من الوظائف الداخلة تحت سلطان الخلافة في عهد الراشدين،فكان الخليفة يقوم بالفصل بين الخصوم بنفسه،وربما وكل ذلك إلى بعض خاصته من كبار صحابة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .