الصفحة 372 من 604

جدول الماء ولد صغير من أولاد النهر،يجري بنفس مائة،ويتلون بنفس لونه،كأنه كوب في الأرض يسعى إلى الشاربين البعيدين عن أصل النهر حتى بيوتهم .. وكأنه ينوب عن النهر الذي لا يحسن الجريان إلا في المجرى الواسع العظيم .

على مثل ذلك كان الولاة ينوبون عن الخلفاء في أقاليم الدولة الإسلامية أيام الراشدين،وتحكمهم حدود الشرع ورقابة الخليفة عليهم،ومحاسبته لهم،وكان لجماهير الناس دور كبير في عزل عدد من الولاة لاعتراضهم عليهم لدى الخليفة .

وربما كانت سلطة الوالي عامة تشمل الجانب السياسي والجانب المالي،فيجهز الجيش،ويقيم الحدود،ويؤم الناس في الصلاة،ويقسم الفيء،ويجمع الزكاة والجزية ويفرقها في أهلها،كما كان الحال لدى معاوية بن أبي سفيان في الشام.

وقد تقتصر سلطة الوالي على الجانب السياسي وحده،ويوظَّف للجانبين المالي والقضائي شخص أو اثنان آخران،كما كان الحال في مصر أيام عمر بن الخطاب.

إن الحاجة ليست أم الاختراع وحده،ولكنها أم الاقتباس أيضا،فقد كثرت في عهد عمر بن الخطاب الرسائل التى يتلقاها من البلاد والأنحاء كثرة كبيرة،وزادت الأموال التى تأتيه من الجزية والخراج والغنائم زيادة هائلة،وأصبحت الحاجة ماسة لتنظيم كل ذلك،وتنظيم عطايا الجند،فأشار عليه من له علم بترتيبات فارس والروم ونظمهم فوضع الدواوين،وهى مواضع"لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال".

أما ديوان الرسائل فكان لحفظ الرسائل والمكاتبات الرسمية التى توجهها الخلافة أو تستقبلها. وديوان الجند فيه الدفاتر والسجلات الحاوية لأسماء الجند وما يخص كلا منهم من العطاء. وديوان الخراج أو الجباية لتدوين ما يرد إلى بيت المال،وديوان العطاء لتسجيل ما يفرض لكل مسلم من العطاء.

ورتب عمر أعطيات الناس بادئا بقرابة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وآل بيته،ثم رتب الناس بعدهم على درجات في السبق إلى الإسلام وحسن البلاء في سبيل الله .

لقد كان عمر يرى أن درجات الناس في دينهم هي نفسها التى ينبغي أن تحدد في ضوئها درجاتهم في عطايا الدنيا،وفعل عثمان مثله،وأما أبو بكر فكان يسوي بينهم ويكل جزاءهم إلى الله تعالى في الآخرة،وفعل علي مثله..

وكان عمر يعطي كل نفس صغرت أو كبرت درهما كل يوم في رمضان،ويعطي أزواج رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ درهمين درهمين،فجاء عثمان وأقر ذلك كله،غير أنه صنع طعاما في شهر القرآن لأبناء السبيل والفقير ومن يتخلف في المسجد للعبادة.

قد تظهر وظيفة ما في زمن دون أن تأخذ اسمها الذى تعرف به إلا بعد فترة،وهذا هو شأن الشرطة في زمن الراشدين،وقد كان النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقوم بنفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وسار أبو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت