حاضرة الآخر،وجعل الشام ولايتين: إحداهما في حمص والأخرى في دمشق.. بينما كانت فلسطين ولاية وحدها،وما فتح من مصر وإفريقية ثلاث ولايات هي: مصر العليا ومصر السفلى،وغرب مصر وصحراء ليبيا .
كان عثمان بن عفان واحدا من الرجال الذين قربهم عمر بن الخطاب إليه،وجمعهم حوله،وبخل بهم أن ينتشروا في الأرض،فعرف عثمان من خبرة إدارة الدولة الكثير والكثير،غير أنه لما تولى الأمر استبدل بشدة عمر لينا،ولخص سيرته في إدارة ولايات الدولة حين كتب إلى أمراء الأنحاء يقول:"قد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا،بل كان على ملأ منا،ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل،فيغير الله ما بكم،ويستبدل بكم غيركم". وأمر ولاته ومن يشكونهم أن يوافوه في موسم الحج.
وكان أمير المؤمنين يحرص كل الحرص على رضى الرعية بمن يوليه عليهم من الأمراء،ويكره أن يدخل ولاته في نزاع مع الناس فتقل هيبتهم .
وكان لرفق عثمان ولينه أثر طيب في رعيته وولاته،إلا فريقا من المنحرفين الذين أبطرتهم النعمة،وملأت قلوبهم الدنيا بعد فقر وفراغ منها،فراحوا يحتجون على الخليفة وولاته،وكان أمير المؤمنين قد تولى الإمارة وبعض أقاربه أمراء على الأنحاء،كمعاوية بن أبي سفيان في الشام،والوليد بن عقبة في عرب الجزيرة،وجاء هو بعبد الله بن سعد بن أبي السرح أميرا على مصر بعد أن كان قائدا على مقدمة جيش عمرو بن العاص،وولى سعيد بن العاص الكوفة،وكان عمر قد قربه وجعله من رجال الناس ... ورأي عثمان في ذلك هو اختيار الرجل المناسب للولاية،ولو كان من أقاربه.
أراد علي بن أبي طالب أن يرجع بولاته إلى الصورة التى كانوا عليها في عهد عمر وأبي بكر من الزهد،والتقلل من الدنيا والبعد عن التكسب والتجارة أثناء ولايتهم،لكن فترة حكم عثمان بن عفان التى استمرت اثنتي عشرة سنة كانت قد غيرت المجتمع الإسلامي تغييرا عميقا في ظل الرفق واللين الذي حكم به أمير المؤمنين العظيم عثمان،حتى صارت الإمارة على الولايات عملا مرتبطا بالغنى وسعة الجاه ..
راح أمير المؤمنين علي يتخير ممن حوله أمراء جددا يحلون محل أمراء عثمان بن عفان،لا يهتم في ذلك بعزل أمير قديم له جهوده وأعماله الضخمة كمعاوية بن أبي سفيان،فكل ما كان يهم علي بن أبي طالب هو أن يعيد صورة الوالي إلى سيرتها الأولى،وكأنه كان يرى أن هؤلاء الولاة هم الآفة التي أضرت بسلفه الجليل عثمان بن عفان،فألبت عليه الناس.
ولم يكن علي بن أبي طالب يمتنع عن تولية أقاربه إن رأى فيهم كفاية وقدرة،كما فعل حينما وجه عبد الله بن عباس لولاية البصرة.