ولما تولى عثمان الخلافة لم يأمر الناس بزكاة الخيل ولم ينههم عنها،وزاد في الرفق بالناس حين رأى الأموال قد كثرت،وأن في تتبعها إضرارا بأصحابها،ففوض إلى كل صاحب مال أن يؤدي زكاته بنفسه.
وبذلك تحولت الزكاة إلى عمل تقوم به الرعية بينها وبين نفسها،ولم يعد عملا منظما ترعاه الدولة،فتأخذ الزكاة من أهلها وتوزعها في أهلها،وذلك لا يعني أن الدولة في عهد عثمان بن عفان فقدت أحد مواردها المالية المهمة،ولكن الذي حدث حقيقة هو أن المجتمع حمل مع الدولة عبئا من أعبائها وواحدة من مسئولياتها،حيث صار صاحب كل مال وكيلا لأمير المؤمنين على زكاة هذا المال.
وفي عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اشترك الراعي والرعية في القيام على أمر الزكاة،فأمر علي ولاته بجمعها والرفق بالناس،وتجنب ظلمهم،وحض أصحاب الأموال على تزكية أموالهم،وألا يحرموا الفقراء حقوقهم .
لو أراد الإسلام أن يخرج أهل الكتاب من كل بلد يدخلها لفعل،ولو شاء أن يحولهم إلى جزر معزولة يحرم على المسلمين التعامل معهم لفعل،ولكن هذا الدين السمح فتح قنوات التعامل مع هؤلاء،وجعل إحسان معاملتهم أمرا واجبا،فأجاز الزواج من نسائهم،وأكل طعامهم،وإطعامهم مما نأكل،والتصدق على فقرائهم،والشراء منهم،والبيع لهم،بل زاد على ذلك فأشركهم في خدمة الوطن الذي يعيشون على ترابه،ففرض على القادرين منهم ضريبة من المال تسمى بالجزية،تسقط عنهم إذا عجزوا عن دفعها بسبب الفقر،و إذا أسلموا،ولا يؤديها سوى الذكور البالغين العاقلين القادرين عليها. وفوق ذلك تسقط الجزية عن أهل الذمة إذا عجز المسلمون عن حمايتهم،وهذا ما دعا أبا عبيدة بن الجراح أن يعيد الجزية إلى أهل حمص حين أحس بعجز المسلمين عن حمايتهم من الروم..
لقد كانت الجزية بابا رائعا من أبواب التعامل مع أهل الكتاب وأشباههم من المجوس،ليروا سماحة الإسلام حينما يتحرك الناس بأوامره ويعملون بشرائعة،فكان الرفق هو الذي يحكم الراشدين في تحصيل الجزية من أهل الكتاب. ولا شك أن هذا باب جليل من الأبواب التى دخل منها أهل الكتاب في دين الله أفواجا،إذ رأوا الفاتحين المنتصرين الأقوياء أرق ما يكونون معهم في جمع الجزية والخراج،وإذا استعمل أحد المسلمين شريعة القسوة والعنف،رده أميره إلى شريعة السماحة والرفق.
والجزية واحدة من الخيارات الثلاثة التى حملها الفاتحون إلى من وقف في طريقهم وهم ينشرون أشعة الدين في أرجاء الأرض.
إن الحرب تسير بغير مبادئ،وتقبل استعمال جميع الأساليب القذرة من أجل الانتصار،هذا لدى غير المسلمين،أما أهل الدين الحنيف فإن المبادئ عندهم لا تنفك عن أي نشاط يقوم به الإنسان.. والأخلاق لديهم قاعدة قائمة على العقيدة السليمة،تبنى عليها أعمالهم.