الصفحة 379 من 604

الإسلام،وينتقصون منه شيئا،فسيأتون غدا وينتقصون شيئا آخر،وهكذا حتى يخلو الدين من مضمونه ومعناه .

وقف أبو بكر في هذه المحنة أسدا يزأر في وجه الفتنة حتى أدخلها إلى ضلوع أصحابها،ودفنت هناك معهم،فوقى الله الدين شرورا كثيرة بثبات هذا الرجل وقوة يقينه.

وراح أبو بكر يقبض الزكاة من أصحابها نقودا وإبلا وبقرا وغنما ويوزعها في وجوهها،و إذا جاءه من يقبض منه عطاء الدولة وعليه زكاة أنقص من هذا العطاء بقدر الزكاة.

وحرص كل الحرص على صون مال الزكاة وتنميته،فكان يرسل إبل الصدقة إذا كانت نحيفة ضعيفة إلى الربذة لكى ترعى.

ومن هذه الأموال أطعم الفقراء،وكسا المساكين،وقبض جامعو الزكاة رواتبهم،وتألف أبو بكر قلوب بعض الناس،ومنح بعض الأشراف،وأنفقها في سبيل الله،وجهز منها بعض المقاتلين الذين حارب بهم المرتدين والفرس والروم.

مع قوة عمر في الحق،فإنه رأى مهادنة مانعي الزكاة خيرا من قتالهم،ليتفرغ أبو بكر والمسلمون لحرب المرتدين ومدعي النبوة،فلما رأى عمر ثبات أبي بكر ورفضه التام للمناورة أو المهادنة مع من منع الزكاة وبخل على عباد الله بها - انشرح صدر الفاروق لرأي أبي بكر،ووقف قريبا منه يقاتل معه بسيفه من منع الزكاة،حتى خضعوا جميعا،وجاءوا إلى المدينة صاغرين يؤدون حق الله في أموالهم ..

وقد ورث عمر الخلافة من أبي بكر،وبايعه المسلمون بعده،فكانت قضية الزكاة ووجوبها من الأمور الثابتة،فكان أمير المؤمنين يرسل عماله إلى التجار وإلى البلاد لقبض الزكاة منهم،فإذا اشتد أحد في جمع الصدقات لامه عمر،وأمره بالتخفيف على الناس والرفق بهم. وكان لا يأخذ من العبيد زكاة،ولا يأخذ الصدقة على الخيول والرقيق،إلا إذا تطوع بها أصحابها،وأخذها من أموال اليتامى،وأمر ولي اليتيم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة،وفعل هو ذلك.

وكان مبدأ أمير المؤمنين أن تفرق الزكاة على أهل البلد الذين أخرجوها،إلا إذا دعت الضرورة إلى نقلها من بلد إلى بلد،مثل ألا يوجد من يأخذها في بلد المزكين.

لقد كانت زكاة أموال المسلمين أحد موارد الدولة المالية في عهد عمر بن الخطاب،إلا أن الغنائم الهائلة التى أقبلت من الفتوح كانت أكثر منها بكثير،وضمنت هذه الغنائم نفسها تنشيط أعمال الزكاة،للثراء الذي حققه الكثير من المسلمين من ورائها.

لقد كان أمير المؤمنين عثمان أوسع الخلفاء الراشدين ثراء،وأكثرهم مالا،وهو ذو خبرة عملية بأمر الزكاة،ولابد أنه رأى بنفسه بركة أداء هذه الفريضة العظيمة،ولحظ أنها لا تنقص المال شيئا،بل تبارك فيما بقي،ويفتح الله بها على عبده أبواب رزق كانت من قبل مغلقة.. لذلك راح عثمان يدفع لعمر الزكاة عن شيء لا تجب فيه الزكاة،وهي الخيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت