فهرس الكتاب
وبعد أن رفع الله الخلافة الراشدة،وتحول الأمر إلى مُلْكٍ عَضُوضٍ يتوارثه الولد عن والده والفرع عن أصله ـ كان كبار الصحابة قد ماتوا جميعا،وصار شبابهم شيوخا،واعتبر الناس فيهم شرف صحبتهم لرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فكانوا بمنزلة الموجِّه الروحي للأمة.
مع المقام الرفيع الذي احتله من نال شرف صحبة الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلا أن مجتمع الراشدين لم يكن عنصريا يَقْصُرُ باب التميُّزِ على طائفة بعينها،بل انفتح هذا الباب أمام الناس،فمن قدم لدينه وعمل له خيرا انفتح أمامه باب التميز والفضل،لذا برز في عصر الراشدين كثير من الموهوبين،وقُدِّمَ بعض هؤلاء على الصحابة،كما فعل عمر حينما ولَّى قيادة الجيش أبا عبيد الثقفي،وفى الجيش بعض كبار الصحابة ممن شهدوا بدرا وغيرها؛ إذ كان أبو عبيد أول المتطوعين لقتال الفرس بعد أن انتدب عمر الناس لحربهم.
ولم يكن الجهاد وحده كفيلا برفع مقام صاحبه ولو لم يكن له شرف الصحبة،بل كان العلم بابا آخر لتقديم الناس وبروزهم،فعلقمة بن قيس النخعي قدمه عبد الله بن مسعود ليقرأ القرآن ويفتي الناس.
كذلك كان الثبات على الإسلام في المواقف الصعبة ضامنا لرفع مقام صاحبه لدى المجتمع المسلم،وعند الخليفة الراشد،مثلما كان من فيروز الديلمي الذي قتل الأَسْوَدَ العَنْسِيَّ،والسِّمط الكِنْدِي الذي ثبت على الإسلام وقاتل المرتدين من قومه وهو ابن ثمانية عشر عاما.
وأما بقية أبناء المجتمع من غير الصحابة فهم عامة الناس وأبناء القبائل،وكانت روح القبلية والعصبية راسخةً فيهم،وكان عمر يكره اجتماعهم ويرى أنهم لا يجتمعون إلا في شر،وقد وجد بعضهم عند الردة من يثبته على دينه كما كان حال عثمان بن أبي العاص مع ثقيف وعدي بن حاتم مع طيئ،في حين لم يجد كثير من هذه القبائل مثل هذه الشخصية العظيمة ... وفى أعقاب الردة ظل المرتدون ممن رجعوا إلى دينهم بعد الهزيمة منبوذين لا يشركهم الخليفة في شيء،حتى سمح عمر لمن حَسُنَ إسلامُه منهم بالمشاركة في الجهاد،دون أن يكون أميرا على شيء،ثم أكمل عثمان العفو عنهم،وكانوا من عناصر التحريض والثورة ضده.
وأما القبائل التي ثبتت على دينها عند الردة،فقد كانوا هم جمهرة الجيوش الإسلامية،وتحملوا الكثير من صعاب الحروب ـ كما حدث لبَجِيلة وبني أسد في القادسية ـ إلا أنهم لم يملكوا القدرة على حسم المعارك في غياب كبار الصحابة،ونجوم المهاجرين والأنصار.
امتازت الحياة في عهد الراشدين بـ"بساطة"العيش،وتلقائية الأداء الاجتماعي،ظهر ذلك في ملابس الناس،كما ظهر في طعامهم،وكذلك في بيوتهم وبناياتهم.
ويوم الناس في هذا الزمن كان متناسقا كل التناسق مع الظواهر الكونية المحيطة،متناغما مع الفرائض التي افترضها الله على عباده،فمع ضوء الفجر وصلاته يبدأ نشاط المسلم: عبادةً وطلبًا للرزق،ويستمر حتى تزول الشمس من كبد السماء،ويصلِّىَ الناس الظهر خلف الأمير أو مَن ينوب عنه،فإذا صلوا