الصفحة 405 من 604

أراحوا الجسد في ساعات الظهيرة الحارة،ثم واصلوا يومهم مع صلاة العصر إلى العشاء،حيث كره الخلفاء السمر بعد ذلك،وأحبوا الانشغال بالعبادة ورعاية مصالح الناس،أو الخلود إلى النوم لبدء يوم جديد في نشاط.

وكان من دأب الصالحين ـ والصحابة على رأسهم ـ أن يجعلوا لصلاة الليل نصيبا من وقتهم،يتساوى في ذلك غنيهم وفقيرهم،أميرهم ورعيتهم.

وكان أكثر مركوب الناس الإبل،إلا أن الخيول كانت هي صاحبة اليد العليا في البلاد المفتوحة؛ لنشاط الجهاد ولطبيعة هذه البلاد التي تمتلئ بالمدن والحواضر. وإلى جانب الإبل والخيل شاركت البغال في السلم والحرب،ولكن بصورة أقل منهما. وركب المسلمون البرذون ـ وهو نوع من الحمير الكبيرة ـ إلا أن عمر بن الخطاب كره ركوبه،ومنع نوابه من ركوبه لما في مشيته من الكبر والخيلاء...

وكانت المرأة كالرجل في ركوب هذه الدواب،فركبت الحصان كما فعلت أم حرام في فتح قبرص،وركبت الجمل كما فعلت السيدة عائشة في حرب الجمل.

ومع شيوع روح الجد والورع بين الصحابة،فإنهم كانوا يتمازحون،فكانوا يترامَوْن بالبِطِّيخ،ويلقون بعض المُلح الخفيفة المهذبة الصادقة،"فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال".

وكانت رعاية الواجب الاجتماعي سمتا واضحا للمجتمع الإسلامي في هذا الزمن.

"الإنسانية"التي تلبس ثياب الإيمان هي الصفة الأولى التي تُميِّز المجتمع المسلم،حيث تصير رعاية الواجبات الاجتماعية لا عرفا تَعَارَفَ الناس عليه أو ذوقا يبحثون عن"الوجاهة"من خلاله ـ بل خلقا شرعيا وأدبا دينيا يجب الحرص عليه.

وقد ترك النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كثيرا من الواجبات الاجتماعية ميراثا لأمته،وأوصى المسلمين بالحرص عليها،كصلة الأرحام،وعيادة المرضى،واتباع الجنائز،وتعزية أهل المتوفى،وغيرها.

ومجتمع الخلافة الراشدة هو أول من تسلم هذا الميراث،وعمل على صيانته وتطبيقه،فكان أبو بكر وعمر وعثمان يشيعون الجنائز مع الناس ويسيرون أمامها،وكان على يشيعها حافيا ويسير خلفها،وعزى الخلفاءُ مع الناس أهلَ المتوفى،وكان أبو بكر إذا عزى رجلا يقول:"... اذكروا فَقْدَ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ تصغر مصيبتكم،وأعظم الله أجركم".

كما عاد المسلمون في مجتمع الراشدين مرضاهم،لا يُسْتَثْنَى من ذلك الخلفاء أنفسهم،وكان العائد يشارك في تهوين المصيبة على أخيه المريض،ويذكره بثواب الله ـ عز وجل ـ ووصل الناس أرحامهم،خاصة في جو الالتحام العائلي المعروف حينئذ،وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري:"مُرْ ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت