الصفحة 432 من 604

وقد ظهر الجانبان الأوَّلان في العمارة الإسلامية في عصر الراشدين بصورة واضحة في حين بدا الجانب الثالث حينئذ على استحياء،إلا أنه نما وتطور في العصور الإسلامية التالية،حتى وصل إلى قمة الجمال الذي يُبهر ويسحر،كما يبدو في آثارنا الإسلامية التي يمتلئ بها العالم ...

وقد شهد عصر الراشدين ـ وخاصة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ـ حركة عمرانية واسعة،تنوعت بين بناء المساجد وتجديدها،وبناء المدن وتمصيرها،وخدمة الزراعة والتجارة بشق الترع والطرق،وكان السائد على مواد البناء حينئذ سهولة الحصول عليها،وتواضعها.

المسجد.. قطعة من أرض الدنيا،لكنه روح من الجنة،وعطر من الفردوس،عندعتبته تنتهي حياة وتبدأ حياة،تنتهي ضجةُ الدنيا وتبدأ تسبيحاتُ القلوبِ والألسنةِ والجوارحِ.

وقد أَوْلَى المسلمون المسجدَ اهتمامهم الكبير طوال تاريخهم،وبقيت العلاقة بالمسجد دليلا على سلامة الأمة ـ إذا كانت قوية ـ أو مؤشرا على ضعفها ـ إذا كانت ضعيفة،فهَجْر المسجد وقلة الإقبال عليه وتحويله إلى موضع للاختلاف والتنازع ـ نذير سوء يحذر الأمة من خطر يحيط بها،في حين أن اعتياد المساجد وتعلق قلوب المؤمنين بها وأداءها لدور توحيد الأمة - مبشر بخير كثير وفضل كبير للأمة المسلمة.

وليس ذلك كثيرا على بيوت الله (المساجد) ،فهي مواضع للصلة بين العبد وربه،وحول هذه الصلة تدور كل أسباب الفلاح وجميع عوامل النجاح.

لهذا كله عُنِي الراشدون بالمساجد،وعني الناس في عصرهم ببنائها وتشييدها،وقد تمثل العمران المسجدي في عهد الخلفاء الراشدين في أمرين:

أولهما: تجديد المساجد القديمة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي.

ثانيهما: بناء مساجد جديدة،كمسجد دمشق ومسجد عمرو بن العاص بالفسطاط.

إن عمران المساجد يكون أساسا بكثرة الساجدين فيها والراكعين،وبتزيينها بالخشوع لله وتلاوة كتابه وبترانيم الدعاء والذكر إلا أنه"لا ينبغي أن يتخلف المسجد في عمارته ومنشآته عما اتخذه المسلمون في بيوتهم ومنازلهم من مواد البناء،وفنون إقامتها،وجمال هندستها،ووفائها بمهامها،واستحداث ما استُحدث من أنواع الفُرُش دون سَرَفٍ أو ترف".. وقد اهتم الخلفاء الراشدون بتجديد ما يحتاج إلى تجديد من المساجد،وخاصة المسجدين الحرام والنبوي،ولم يكن همهم في ذلك النقشَ والزخرفةَ والتلوينَ،بل كان التجديدُ لأهداف عملية واضحة،فعُنُوا بتوسعة المساجد لتضم عددا أكبر من المصلين واهتموا باستعمال مواد للبناء أكثر صلابةً وأقدر صبرا مع الزمن حتى لا تتقوض سُقُفُ المسجد وجدرانه،ومثال ذلك المسجد الحرام،إذ كان عمر بن الخطاب هو أول من زاد فيه"اشترى دورا فزادها فيه،واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة،وكان عمر أول من اتخذ له الجدار،ثم وسَّعه عثمان،واتخذ له الأروقة،وهو أول من اتخذها". وأما المسجد النبوي فقد"كان على عهد رسول الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت