الصفحة 431 من 604

ورسائل العصر قِطَعٌ بلاغية رفيعة،تخلو من التكلف والادعاء،وإنما هي سليقة القوم وطبيعتهم،ومن أهمها وأشهرها رسالة أبي بكر إلى المرتدين والتي يدعوهم فيها إلى معاودة الصواب والرجوع إلى الدين،ورسالة عمر بن الخطاب بعزل خالد بن الوليد عن قيادة جيوش الشام،ورسالته إلى أبي موسى في القضاء.

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خِلْتُ أن المنتأى عنك واسعُ

تحدث عمر بن الخطاب مع وفد غطفان،وسألهم عن صاحب هذا الشعر،فقالوا: النابغة،فقال:"هذا أشعر شعرائكم".. ستظل قدرة الإنسان على تذوُّق الأدب والفن وجها من وجوه تميُّزِه عن الكائنات الأخرى،فالتشبيه الرائع يسحره،والصورة الدقيقة تدهشه،والموسيقى الظاهرة تطربه،فإذا أضاف إلى ذلك جمال المعنى انسجمت نفس المتذوِّق مع ما يرى أو يسمع.

والإنسان في كل عصر هو الإنسان،لا تتطور إلا أدواته،وتنمو في العمق مواهبه،أما أساس الملكات النفسية والميول الطبيعية فواحدة،ما لم تُمْسَخْ أو تُحوَّلْ إلى مجرى غير مجراها الطبيعي.

وقد كان العرب يتذوقون الشعر،ويحبون دقاته ورناته،ويعيشون مع معانية،وجاءهم الإسلام وهم كذلك،فلم يلغ الذوق ولا التذوق،بل جعل رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ المسجد واحدا من الأماكن التي يسمع فيها الشعر ويلقى واستلم الخلفاء الراشدون الراية من بعده،فما منعهم ثقل المسئولية من إلقاء أشعار الشعراء،والاستماع إليها،والاستشهاد بها،ونَمَّ ما كانوا يفضلونه من الشعر عن قدرة رفيعة على التذوق،لا يفصلون في ذلك بين جمال الشكل وجمال المعنى،بل لابد عندهم أن يكون المعنى الطيب في ثوب لفظي جميل،كما أن اللفظ الطيب لابد له من معنى طيب.

وكان عمر بن الخطاب صاحب رأى في الشعراء العرب،فيفضل بعضهم على بعض،ويقدم فريقا على غيره،فزُهَيْر بن أبي سلمى عنده هو"شاعر الشعراء"،والنابغة الجعدي هو أشعر شعراء غطفان.. وليس تقديم زهير إلا لسهولة عبارته،وبُعْده عن الألفاظ الغريبة،ولا يمدح أحدا إلا بما فيه.

لا يعنَى الإسلام بعمارة القلوب وحدها،ولا بتنظيم أمور الروح فحسب،بل يأخذ دنيا الإنسان من طرفيها ـ البداية والنهاية ـ ليشملها بأحكامه،ويعمها بتشريعاته يفصِّل في ذلك حينا،ويُجْمِلُ أحيانا.. لذا وجد المسلم في عمارة الأرض وإنبات الخير فيها مجالا واسعا للعبادة والتقرب إلى الله - تعالى.

وللعمران ثلاثة جوانب بارزة: أولها ـ قدرته على تأدية الغرض المباشر منه بخدمة ضروريات الناس وحاجاتهم،وثانيها ـ اعتماده على إمكانات البيئة المحيطة بقدر المستطاع،وثالثها ـ خدمته للحس الجمالي بالزخرفة،والتجميل...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت