فهرس الكتاب
ومن لا يصانع في أمور كثيرة
يُضَرَّس بأنياب ويوطأ بمنسِمِ
كان للعرب حينما أتاهم الإسلام لسان فصيح وقول بليغ،وجاءهم القرآن وبلاغة العبارة التي لا تُطَال إحدى معجزاته،فبهرهم وأخذ بألبابهم،لكن بقيت عبارتهم هم قويةً وبليغةً،وتميز الخاصةُ منهم بجمال القول حتى في مواقف الحياة اليومية،إلا أن المواقف المتميزة ـ كموقف الخطابة ـ كانت أصلح لإظهار بلاغة المتكلم وقدرته على رصف الكلام وترتيبه،مع بعدهم عن التكلُّف والادعاء الذي حذرهم منه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .
لقد مثلت الخطابة في عهد الخلفاء الراشدين طريقة يعرِّف فيها الخليفة أمته بدستوره وطريقته في الحكم،وبابًا يفقههم العالِم من خلاله في دينهم،وينبئهم الأمير بأخبار إخوانهم على جبهات القتال،ويحضهم على معونة المجاهدين هنا وهناك ويشجعهم على القتال...
وكان المسجد ومنبره هو المكان الأول الذي يشهد خطبة الخطيب،كما جرى عندما ألقى أبو بكر أول خطبة له في الخلافة،وكذلك فعل عمر،كما صعد عثمان المنبر يدافع عن نفسه ويرد التهم الموجهة إليه.. ومثلت ساحاتُ القتال ومواضعُ تجمُّع الناس ميدانًا آخر يخطب فيه الخطيب في الناس،وقد أدى الخطباء مهمة جليلة في معركة اليرموك ووقعة القادسية،حينما تولَّوا تحميس المسلمين وتشجيعهم على مواجهة أعدائهم،والصبر في وجوههم،وطلب ثواب الله عز وجل.
ولم تكن الخطابة مرتبطة بالجمعة وحدها،بل كلما احتاج أمر إليها قام الخطيب إليها.
لم تكن الأمية الفاشية بين الناس في هذا الزمن لتقلل من أهمية الرسائل المتداولة فيه،إلا أنها جعلت رسائل العصر تقتصر غالبا على المكاتبات الرسمية المتبادلة بين الخليفة والأمراء،أو بين الأمراء وبعضهم البعض،ذلك أن العارفين بالقراءة والكتابة كانوا غالبا من نجباء القوم وأمرائهم،فلا نجد رسالة تَبادلها رجل عادي من بين أفراد الرعية مع مثله في عهد الخلفاء الراشدين.
لقد كانت الرسائل والمكاتبات المتبادلة بين الخليفة ورجاله هي وسيلة الاتصال الأولى التي حركت الكثير من الأحداث الجارية في ساحات الحرب والقتال،وبها تكيف أهل العصر مع إمكانات زمانهم،وتغلبوا على الصعوبات الجمة التي وقفت في طريقهم،لذلك كان انتظام هذه الرسائل واهتمام الخلفاء بها بابا مهما لنجاح حركة الفتوح،وانتظام أمور الدولة في يد الخليفة،وحينما اختُرقت هذه الوسيلة وكُتبت رسالة أمير المؤمنين عثمان بدون علمه تَأْمُرَ أميرَ مصر بقتل بعض المعترضين عليه،ثارت الفتنة،وتفاقم أمرها،حتى ذهب الخليفة لأجلها شهيدا...
إن أهم رسائل هذه العصر كانت من الخليفة أو إليه،وقلة منها كانت بين الأمراء وبعضهم البعض،وبعضها كان يأتي إلى الخليفة من رؤساء العجم،كتلك التي كتب بها ملك الروم إلى عمر بن الخطاب.