الصفحة 457 من 604

مهمة شاقة استغرقت وقتا من الليل،لكن النجاح لم يكتمل بعد،فلابد من حيلة جديدة لإخراج أتباع الأسود من صنعاء،فآذن ذلك بموت فتنة العنسي وهلاكه قبل وفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بيوم واحد،حيث أخبره الوحي بالخبر،فراح يبشر أصحابه في المدينة:"قتل العنسي البارحة،قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين"قيل: ومن هو؟ قال:"فيروز،فاز فيروز"!

هدأ النفَس في صدر فيروز وأصحابه بعد أن قتلوا العنسي،وراحوا يفكرون فيما يفعلون لتكتمل المهمة،ويقضوا على هذه الردة،واستغرقهم الحديث حتى اهتدوا إلى رأى مع مقدم الفجر بأشعته الفضية،فصعدوا إلى سطح القصر،ولم يكن هنالك وقت للاستمتاع بمنظر السماء البديع،فكل ما يهم في هذه اللحظة هو التنفيذ الدقيق والشجاع لما تبقى من المهمة.

انطلق داذويه ليخترق الصمت الذي لم تكن ضحكات الحراس وأصواتهم المنخفضة تقلل منه،فخرج المسلمون والمرتدّون للشعار الذي نطق به داذويه،وتجمع الحراس،فعاجلهم جُنشس بالأذان وشهد أن محمدًا رسول الله وأن الأسود كذاب،وألقى فيروز وأصحابه برأس الأسود بين الناس وقد انفصل عن جسده،ففرح المسلمون واستولى الرعب على المرتدّين فركب من استطاع منهم فرسه وولوا هاربين جهةَ الشمال،ولم تُنسِهم همجيتُهم أن يختطفوا من وجدوه من أطفال المسلمين ليعوضوا هزيمتهم وخيبتهم،لكن المسلمين كانوا أفطنَ منهم وأعقلَ فاختطفوا من المرتدين سبعين رجلا،ثم تراسلوا وتبادلوا معهم الأسرى: الأطفالَ بالرجال...!

"وأعز الله الإسلام وأهله"واصطلح المسلمون على معاذ بن جبل يصلى بهم،وهرب المرتدون بين صنعاء ونجران لم يظفروا بشيئ،حتى مات النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ،وكانوا من وقود الردة الثانية الى وقعت في اليمن.

تحولت ردة العنسي في اليمن بمقتله إلى رماد،لكنه رماد يخفي تحته بعض الجمرات التي لو نفخ فيها الهواء لأشعلها،وما أن توفي رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حتى"انتفضت اليمن،وارتدَّ أهلها في جميع النواحي"وتحركت في الوُجَهَاءِ الشهوةُ إلى الإمارة والرئاسة،فوثب قيس بن المكْشُوح،وارتد عن الإسلام،وتابعه عمرو بن مَعْدِيكَرِب،وعوامُّ أهل اليمن ومن بقي من أتباع العنسي الفارِّين من صنعاء.

وبعد محاولة للخلاص من المسلمين الفرس باليمن،استولى قيس وأتباعه على صنعاء،وفرَّ فيروز من بين يديه،ليقود الحرب ضد المرتدين،وكتب الصديق من المدينة إلى الأمراء والرؤساء من أهل اليمن ليكونوا أعوانا لفيروز ومن معه على قيس حتى تأتيهم الجنود سريعا.... وفي مبادرة حربية سريعة جمع فيروز حوله المسلمين من خولان وبني عُقيل وعك،وصادم بهم المرتدين وسرعان ما غلت الحرب كما يغلي القدر فوق النار،ووقع القتال شديدا،ولانت مقاومة المرتدين،فأحاط بهم المسلمون يقتلونهم حتى فروا من صنعاء يترددون بينها وبين نجران ولا يجدون موضعًا يحملهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت