فهرس الكتاب
ومن جهة عُمَان أقبل عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن يَمسح الأرض من المرتدين مسحا،ويضم إليه مَنْ ثبت على دينه من القبائل،حتى امتلأت الأرضُ بقواته،وأقبل على السمع والطاعة مَنْ هناك من القبائل.... وفي ذات الوقت كان المهاجرُ بنُ أبي أمية آخرَ مَنْ تسلم من أبي بكر لواءَ الحرب ضد المرتدين،يفعل فعلَ عكرمة،يمسح الأرض بين المدينة واليمن من المرتدين مسحا،ويضم إليه مَنْ ثبت على إسلامه من الناس حتى أَسَرَ قيسَ بنَ المكْشُوح،وعمرَو بنَ مَعْدِيكَرِب،وبعث بهما إلى أبي بكر،ثم انطلق من نجران إلى اللحْجية،وهم أُسُّ الردة،وأَبَى أنْ يصالحهم،بل اشتد في قتالهم وحربهم حتى أفْناهم...
وفي جولة أخيرة ضد الردة باليمن تحرك عكرمة بقواته من أبين يريد كِنْدَةَ بحضْرَمَوْت،وسار المهاجر من صنعاء بقواته لنفس الهدف،حتى التقيا بمأرِب،وقطعا الصحراء منها إلى حضْرَمَوْت،ونهضوا لقتال كِنْدةَ،بمحجر الزُّرْقان،فوقعت الحرب،ودارت الدائرةُ على المرتدّين،حتى هرب مَنْ نجا منهم من القتل،وفي النُّجَيْر تجددت الحرب ولبست كِنْدَةُ ثوب الهزيمة ثانية،وكثر فيهم القتل،حتى أدركوا حين رأوا الدنيا قد اجتمعتْ عليهم والمددَ لا ينقطع عن المسلمين ـ أنه لا فائدة من المقاومة،فخرج الأشعث الكِنْدِيُّ وصالح على أمان أهله وماله وتسعةٍ ممن أحب،فقَتَل المسلمون مَنْ بقي من محاربيهم،وسَبَوا النساء والذرية،لإلحاحهم على الردة،وشدتهم في مواجهة المسلمين.
هل رأيتَ قطراتِ ماءٍ عذبٍ في كوبٍ تتحول إلى بحر متلاطم الأمواج يُخْشَى غضبُه؟! هكذا تحول أبو بكر الرجلُ الحليمُ اللينُ إلى الشدة والقوة والثبات في وجه الردة الزاحفة على الإسلام بكل قوة،ورفض أن يقبل من أي أحد تَرْكَ أيِّ جزءٍ من الدين،وأقسم أن يقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة،ورفض آراء بعض الصحابة الكبار في مُسالمة مانعي الزكاة،أو تأجيل مسير جيش أسامة بن زيد نحو الشام،فانتظر حتى أصبحت أنباء الردةِ والانتفاضِ في العرب مؤكَّدة لا شك فيها،ثم أنفذ بَعْثَ أسامة وأخذ يحارب الردة بإرسال الرسل والكتب انتظارا لرجوع أسامة وجيشه،فكتب إلى القبائل كتابا واحدا يدعوهم فيه إلى التمسك بالدين والاعتصام بالإسلام...
وبينما أبو بكر يخوض حرب الكتب والرسل انتظارا لرجوع أسامة بن زيد فرض عليه مانعو الزكاة من عبس وذبيان وغيرهم القتالَ،فحاربهم بنفسه وألحق بهم هزيمة منكرة،ثم كانت عودة أسامة بداية للمجهود الحربى الواسع والمنظم في قتال المرتدين،فأعد الصدّيق أحد عشر لواءً وجهها إلى المرتدين في مَوَاطِنِهِمْ،وزوَّدَ كلَّ قائد بعهده إليه بقيادة مَنْ معه لحرب المرتدّين،فتحركت الجيوش في جمادى الآخرة،وعادت بعد أشهر بالظَّفْرِ والنصر،وقَمْعِ فِتَنِ المرتدِّين.
اهتم الصديق ببعث الرسل والكتب إلى مثيري الفتنة ومُتَزعِّمي الردة لِيَشْغَلَهم عن الحرب انتظارا لعودة جيش أسامة لِيَدْعَمَ به نفسَه،ويَقْوَى به على مواجهة عدوِّه إذا ثارت الحربُ،ولكن قبائل الأعراب القريبة من المدينة أعجلتْه واضطرتْه إلى خوض الحرب اضطرارًا.