فهرس الكتاب
ها هم أولاءِ يجمعون جموعَهم من عبس وذبيان وكنانة،وينضم إليهم آخرون من بني أسد ومُدْلِج وغيرهم،حتى ضاقت بهم الأرض،فانقسموا فريقَيْنِ،عسكر أحدهما بالأبرق،والآخر بذي القَصَّةِ.. وفي خُطوة مملوءة باستعراض القوة جاء وفد القبائل يساوم أبا بكر على ترك الزكاة والاكتفاء بالصلاة،فرفض ذلك بكل قوة،وهو يعلم جيدا أن هذا معناه إعلان الحرب ضد المدينة،فراح الصدّيق يضع على مداخلِ المدينة مَنْ يحميها ويعرف الداخل إليها،وأمر الناس بدوام البقاء في مسجد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ استعدادا لحرب لا يَدري أتأتي ليلا أم تجهر نهارًا؟!
وتحت قِطَعِ الليل المُظلم جاء الأعراب في الليلة الثالثة بعد لقاء المدينة يشنّون الغارة على أبي بكر ومَنْ معه،فانطلق الخليفة إليهم بالمسلمين من مسجد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يركبون الإبل،وصدَمُوا الأعراب صدمةً مُذهلة حتى هزموهم وفرقوهم وتَتَبَّعوهم حتى ذي حُسَى،وهناك لَقُوا فريقا آخر من الأعراب نَفَّروا إبلَ المسلمين حتى رجعت بهم إلى المدينة.
وانخدع الأعراب بما فعلوا،وحَسِبُوا أن المسلمين ضَعُفُوا عن المواجهة،فشجعوا حلفاءهم بذي القَصَّةِ على مهاجمة المدينة،ولم يَدْرُوا أن أبا بكر يعبّئ لهم قوته الضاربة ليكسر شوكتهم قبل أن تشتدّ،فقد عاد الصدّيق إلى المدينة،ليتجهَّز للحرب من جديد،في جهدٍ متواصلٍ بالنهار والليل،وجعل على ميمنة الجيش النُّعْمَانَ بنَ مُقَرِّن،وعلى ميسرته عبدَ اللهِ بنَ مُقَرِّنٍ،وعلى المؤخرة سُوَيْدَ بنَ مُقَرِّن... وبدأ الليل يودع الأرض،ونور الفجر يبزغ شيئا فشيئا والعدو لاهٍ لا ينتبه،"فما سمعوا للمسلمين همسا ولا حسا"،وإنما سمعوا صوتَ سيوفِهم وهجومِهم المفاجئ،واشتعل القتال،ومع إشراق الشمس كان العدو قد انهزم،وهرب مع هروب الظلام أمام زحف الضوء،وتقدم أبو بكر حتى نزل بذي القَصَّةِ،وامتد به السير حتى قاتل باقي الأعراب في الأبرق وفرَّق جماعتَهم.. وإن كان هذا الفتح قد غاظ الأعراب حتى وثبوا على مَنْ بينَهم من المسلمين وقتلوهم،فقد كان عِزًا للمسلمين،وخيبة لمساعي المشاكسين والمرتدين.
لقد اهتزت السفينة بالإسلام في جزيرة العرب اهتزازا هائلا عقب وفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ،حتى بدا هذا الدينُ العظيمُ مهددًا بسبب سفاهات أقوام ومطامع آخرين،وظهرت المدينة في هذا الموقف وفيها الصحابة من المهاجرين والأنصار وكأنها وسط نيران مشتعلة تأتيها من الشمال والجنوب ومن الشرق،بل من قبائل تسكن حول المدينة على أبعاد قليلة من مسجد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقبرِه الشريف..!
حاول أبو بكر أن يردَّ هؤلاء إلى الدين بالنُّصح والحسنى،فكتب إليهم محترِما آدميتَهم،لكن ذلك لم يُفِدْ معهم شيئا،فقد كانت على عقولهم وقلوبهم أقفالُها،فافتتح أبو بكر القتال بعبس وذبيان ومَنْ حالفهم،وخرج إليهم بنفسه حينما حاولوا غزو المدينة ... ثم كانت عودة أسامة بن زيد من الشام