فهرس الكتاب
بلزومها،وأَمَرَ مَنْ تركهم بأسفل دجلة بالتنبه والحذر وترك الاغترار.. وسار المسلمون إلى الفرس قبل أن يسير الفرس إليهم،وفي جراب خالد بن الوليد مفاجأة يُعِدُّها للجيش الفارسي الجرار بالولَجة واصطدم الجيشان بقوة،واقتتل الناس قتالا أعظم مما قبله،فطارت الهام،وطُعنت الأفئدة،وصال الأبطال وجالوا،حتى كلَّت الأيادي وتعبت من الضرب والرمي والطعن و"حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ"فجاءت مفاجأة خالد كمينًا خرج من ناحيتين فأثار الفزع في صفوف الفرس،فلم يدروا هل يأخذهم الموت من خلفهم أو من أمامهم،فلحقتْهم هزيمة هائلة،وقَتل العطشُ قائدَهم الهاربَ الأَنَدَرْزَغَر ونال العربَ المحالفين للفرس نصيبٌ كبيرٌ من الهزيمة. وكانت هذه المعركة في شهر صفر من العام الهجري الثاني عشر.
حينما يتحكم الغباء في موقف تكون العاقبة معروفة مقدَّما!! وقد حدث هذا حينما حالف نصارى بكر بن وائل الفرسَ،فحالفوا مَنْ لا يوافقهم في دين ولا يشبههم في قومية،فهُزموا جميعا في معركة الولَجة،ثم حرَّك الغضبُ والسعى للثأر هؤلاء النصارى من العرب،وكاتبوا الفرس من جديد،واتفقوا على الاجتماع بأُلَّيس،يقود العربَ عبدُ الأسودِ العجلي،ويرأس جيشَ فارس قائدهم جابان... ونهض المسلمون يقصدون تجمع العرب،وليس لهم هدف سواه،فوجدوا جابانَ وقد أعد جنودُه الطعامَ،ودعا بعضهم بعضا إلى الأكل وقبل أن يهنأوا به رأوا جيش المسلمين على مرمى البصر،فاهتز جابان وتشاءم،ورأى الحرمان من الطعام في هذه الساعة حرمانًا من النصر في ساعة قادمة... وراح يدعو جنودَه إلى وضع السُّمِّ في الطعام،حتى لا ينتفع به المسلمون إن انتصروا،إلا أن الجنود عصوه وخالفوا أمره،ثقةً منهم في النصر،وأن المعركة ليست إلا جولة سريعة سيعودون بعدها ليلتهموا هذا الطعام المُعَدَّ،ويشربوا عليه خمور النصر!
ويخرج خالد بن الوليد للمبارزة،ويوصي جنوده بحماية ظهره،وينادى زعماء العرب ليخرجوا إليه،لكنهم رأوا الموت لا السيف في يد خالد،فجبنوا عن الخروج إليه إلا مالك بن قيس الذي لم يصبر على مبارزة خالد وضرباته فقُتِل في لمح البصر.. وكان هذا إيذانا باشتعال القتال بين المسلمين وبين التحالف الفارسي العربي،بين قوم يقاتلون ثأرا وحمية جاهلية،وقوم يقاتلون في سبيل ربهم ... وصبر العدو صبرا شديدا،طمعا في أن يأتيهم مدد من قِبَل المدائن،فنذر خالد بن الوليد إن أمكنه الله منهم أن يجري النهر بدمائهم،وحمل هو وجنوده في هجمة شديدة على العدو،وبعد ساعة من الصياح والضرب والطعن أمكن الله المسلمين من عدوهم،وأجرى خالد النهر بدمائهم حين أرسل عليها الماء ... وجلس المسلمون على الطعام الذي أعده الفرس لأنفسهم فتعشَّوْا به!
قامت قيامة الفرس،واستشاط قادتُهم في المدائن غضبا للهزيمة الفادحة التي لحقتهم في المذار،ورأوا أن انتصار المسلمين لم يكن صدفةً،لذلك لابد أن نستعد لهم أكثر،ونحشد لهم جيوشا أكبر ...