الصفحة 476 من 604

المسلمين،فيخرج إليه خالد على قدميه غيرَ خائفٍ ولا متردِّدٍ،وينزل هرمز عن فرسه كذلك،ويدنو القائد من القائد،وكل العيون ترقب هذا المشهد المثير،حتى اصطدم السيف بالسيف،فخرج بعض الجنود من الفرس لقتل خالد،وحملوا عليه،فتنبهت عينا الصقر القعقاع بنِ عمرو،فخرج لتوِّه،وطار إليهم طيرانا،فاحتضن خالد بن الوليد هرمزَ،،ولم ينشغل عن قتله،وزاحم القعقاع الخائنين يضرب هنا وهنا،حتى دارت رحى الحرب تطحن الفرس طحنا،وراح المسلمون يقتلون فيهم إلى الليل.

وكان ذلك في المحرم من العام الهجري الثاني عشر.

جد المثنى ـ كما أمره خالد ـ في مطاردة المنهزمين في ذات السلاسل،وها هى ذى الخيل تعدو به وبأصحابه حتى لا يعطي للعدو فرصة للتجمع مرة أخرى،لكن المثنى يتوقف فجأة،فماذا جرى؟ لقد بلغتْه أنباء بأن جيشا كبيرا للفرس يقوده قارن بن قريانس يعسكر في المذار،فعسكر المثنى قريبا منهم في انتظار خالد بن الوليد.

ولم يكن جيش الفرس هذا سوى المدد الذي بعث به كسرى إلى هرمز،فبلغتْهم هزيمةُ ذات السلاسل وهم قرب المذار فنزلوها،وانضم إليهم الفارّون من الهزيمة،وكان الغيظ والغضب لما أصابهم يملأ صدورهم،فقد أوجعتهم لطمة المسلمين وآلمتهم أيّما إيلام! وأقبل خالد فجمع جنده،وأرضاهم من غنائم ذات السلاسل،وراح الصحابة يُثَبِّتُون الناسَ،ويبثون في نفوسهم طلب الشهادة في سبيل الله،ونصرة دينه ـ سبحانه وتعالى ... فنزل المسلمون على جموع الفرس،وكل فريق قد عبأ جنده واستعد للقتال. ودعا قائدُ الفرس إلى المبارزة فخرج إليه خالد بن الوليد ومعقل بن الأعشى بن النبَّاش،فسبق معقلٌ إلى قتله.. وكان هذا كالصاعقة نزلت على معنويات الفرس فأحرقتها،فنالتْهم سيوفُ المسلمين من كل ناحية،وكاد الفناء يلحق بجيش الفرس،لولا أنهم هربوا في سفنهم،فحال الماء بين المسلمين وبينهم،وقتل من الفرس يوم المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق.

وكان ذلك في شهر صفر الخير من سنة اثنتي عشرة للهجرة.

قامت قيامة الفرس،واستشاط قادتُهم في المدائن غضبا للهزيمة الفادحة التي لحقتهم في المذار،ورأوا أن انتصار المسلمين لم يكن صدفةً،لذلك لابد أن نستعد لهم أكثر،ونحشد لهم جيوشا أكبر ...

وفي طريق المدائن ـ كسكر ـ الولَجة مرَّ الجيش الأول تحت قيادة الأَنَدَرْزَغَر،وتبعه جيش آخر إلى الولَجة يقوده بَهْمَن جاذويه مارًا بوسط سواد العراق،هذا غير من انضم إليهم من العرب (من بكر بن وائل) بين الحيرة وكسكر.. ونظر الأَنَدَرْزَغَر فيما اجتمع لديه من الجنود،فأعجبه ذلك،واطمأنت نفسه إلى النصر،ووثقت من الظفر.. وها هو ذا يفكر فيما سيمنحه كسرى من المكافآت والجوائز حينما ينكِّل بهؤلاء العرب،ويأتى برءوس قادتهم..!

وأما المسلمون فصلَّوا صلاتهم،وسجدوا لربهم وركعوا،وتضرعوا إليه أن يُمِدَّهم بمدد من عنده،ويؤيدهم بجند من جنده.. وأَمَّنَ خالد بن الوليد ظهرَه،فخلَّف سويد بن مقرّن على الحفير،وأمره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت