الصفحة 475 من 604

ودخل خالد العراق من جنوبها،ليهزَّ التاريخ من هناك هزًا عنيفا،معلنا أن مرحلة جديدة فيه قد أوشكت أن تأتيَ،لتتهاوَى تيجان وتسقط عروش بُنيت على الظلم والشرك،وقامت أركانها على استعباد الخلق وعبادة غير الله تعالى ...

وينزل ابن الوليد بالجيش بالنِّباج،بينما كان المثنى معسكِرًا بِخَفَّان،فيرسل خالد إلى المثنى بكتابٍ من أبى بكر يأمر فيه المثنى بطاعة خالد،فما غلبت المثنى أنفة الجاهلية ولا كبرياؤها الكاذب،ولا قال لنفسه: أفي بلادنا ويولَّى علينا غَيْرُنَا؟! بل أسرع بجنده إلى خالد معلنا الطاعة،ليتلاعب سيف خالد وسيف المثنى بعبدة النار،وتبدأ جهود الفتح على الجبهة الفارسية بقيادة خالد بن الوليد،والتي استمرت عاما وشهرين.

ما أقصر الحياةَ فلْتملأْها بالعمل،ولا تركن إلى الراحة ساعة... كأن هذا هو المبدأ الذي نأخذه من فتوح خالد بن الوليد على جبهة فارس،فقد ظل جيشه منذ وصل إلى العراق في نشاطٍ عسكرى دائم وحركة قتالية مستمرة،كأنه يسابق الزمن،فينتقل من صلح إلى معركة،ويفتح الموقعَ مرةً فإذا احتاج إلى حرب أخرى خاضها،وإذا قضى على جمع من جموع الفرس ووجد غيره يستعد للقتال أسرع إليهم ليلقاهم...

بدأ خالد أعماله في العراق بمعركة ذات السلاسل،ثم المذار،وفتح الولجة وأُلَّيس وأمغيشيا،وانتصر على الفرس في الحيرة،ثم فتح الأنبار وعين التمر ودُومة الجندل،وخاض غمار الحرب في وقائع حصيد والخنافس ومصيَّخ والثنيّ،ثم ختم عمله الحربى على هذه الجبهة بوقعة الفراض،ومن هناك انطلق خالد إلى مكة ليحج دون أن يستأذن أبا بكر،فصرفه الخليفة للقتال على جبهة الروم.

سمع هرمز القائد الفارسي أن جيشا للمسلمين تحرك قاصدا الحفير،فكتب إلى سيده كسرى أردشير بالخبر،وأسرع هو ليسبق المسلمين وينزل الحفير بجنده قبلهم.. وهناك يفكر هرمز فيما يصنع ليصدم العرب صدمةً لا يقومون بعدها،فتنهدم محاولات غزوهم لفارس منذ البداية.. إذن فليضعْ أمامهم جبالا من البشر لا تفرُّ من السيف،ولا تنحنى للرمح.. ولكن هذه فكرة خائبة،فهو يعلم جيدا قلوب جنوده،الذين باتوا يشعرون بأنهم مجردُ وقودٍ للحروب التي يخوضها سادتهم.. إذن لا حل إلا في السلاسل يُربط بها الجبانُ مع الشجاع حتى يثبت الجميع. وبدا منظر الجنود المربوطين بالسلاسل في عين هرمز جميلا متناسقا،وحقا كان المنظر جميلا ومتناسقا،ولكنه ليس منظرا لبشر لهم كرامتُهم،أو يدافعون عن مبدأ أو وطن،وإنما هو لعبيد يقادون إلى السوق للبيع،أو خراف تساق إلى الذبح...!

ويأتى جنود الحق قد وزعهم خالد بن الوليد ثلاثَ فرقٍ؛ على المقدمة المثنى بن حارثة،وبعده عدى بن حاتم،ثم نفسه،الذي وجد الفرس في الحفير فمال إلى كاظمة،لكن هرمز سبقه إليها أيضا،وأصبح القتال شيئا واقعا لا محالة،فدنا الجيش من الجيش،واقتربت الصفوف من الصفوف،وخرج هرمز يهز سيفه،ويختال بفرسه،يُظْهِر بطولة وشجاعة،ولكنه يخفي شرا وخيانة،فيطلب مبارزة قائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت