الصفحة 474 من 604

وكان المثنى بن حارثة أحدَ الشجعان الذين كسروا شوكة المرتدين،وهو نفسه الذي أطمع أبا بكر والمسلمين في الفرس،وهوَّن من شأن أهل فارس عليهم،فأمدَّه أبو بكر بخالد بن الوليد قائدا عاما،لتتحرك كتائبُ الحق،وتخوض غمار خمس عشرة معركة ضد الفرس،حيث دارت الدائرة فيها جميعا على عَبَدَةِ النار وأهل الأوثان،فاصطلوا بنيران الهزيمة،وما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله شيئا..

وتدخل جبهة الشام في موقف حرج للمسلمين أمام الروم،فيرسل إليهم أبو بكر نصف جنود العراق عليهم خالد بن الوليد،لينفرد المثنى بعزف ألحان النصر أمام الفرس،حيث قاتلهم على أطلال بابل.. لكن القائد يشعر بأن يده ليست بالقوة التي تستطيع فتح بقية العراق،فيأتى إلى المدينة يطلب مددا من خليفة رسول الله،فلا يجد المثنى بن حارثة إلا رسالة مرئية حزينة تنتظره،فأبو بكر قد أرقده المرض،وهو يوصي الناس وصية مَنْ يودع الدنيا،فأوصى الخليفة الجديدَ عمرَ بنَ الخطاب بأن يندب الناس ليخرجوا للقتال مع المثنى،ثم أسلم الخليفة الصدّيق الروح إلى بارئها.

أي بطل هذا الخارج من رحم الجزيرة ليتجرأ على فارس: أهل الحرب والقتال،وأصحاب الجند والعتاد؟! هو لم يكن يسكن في جنوب الجزيرة،ولا وسطها ولا غربها حتى تكون جرأتُه تهورًا ممن لا يعرف مَنْ الفرس؟ بل كان المثنى بن حارثة رجلا من شيبان التي تُجاور ديارُها فارس وممتلكاتها عند النهرين: دجلة والفرات... فهو يعرف الفرس كما يعرف قبيلته!

غزا المثنى ضد أهل الردة،وشارك في قهرهم ثم امتد به الأمر ليشتبك مع مَنْ أعان أهل الردة من الفرس،فقضى على عمالهم بالبحرين،وأسرعت به الخيل حتى وضع يده على القطيف وهَجَر،وبلغ مصب دجلة والفرات.. وعلم وتيقن أن الفرس ليسوا أسطورة غير قابلة للهزيمة،بل إن قوتهم وهْمٌ،وانتفاخَهم ورمٌ خبيثٌ..

ويحضر المثنى إلى المدينة وقد خَزَنَ في عقله هذه المعلومات،وراح يقنع أبا بكر والمسلمين بصحتها،لكن الهيبة القديمة من الفرس لم تكن قد ذهبت كلها من النفوس.. فراح المثنى يتكلم حتى استعمله أبو بكر على قومه ليقاتلوا الفرس،الذين طمع المسلمون وأبو بكر في فتح بلادهم لمَّا هوَّنَ المثنى من شأنهم.

ولما سارالمثنى ناحية العراق،كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن سِرْ إلى العراق أيضا.

"ما ليلة يُهْدَى إليَّ فيها عروسٌ أنا لها محب،أو أُبَشَّرُ فيها بغلام ـ أحب إليَّ من ليلةٍ شديدة الجليد،في سَرِيَّةٍ من المهاجرين،أُصَبِّحُ بهم العدوَّ.."ـ هذا هو خالد بن الوليد الذي اختاره أبو بكر ليقود الزحف على الفرس،فتحركت به الخيل من المدينة نحو العراق،في ألف رجل،وظلت تلتحق بهم مواكب المجاهدين من البلاد التي يمرون بها حتى قارَبَ الجيشُ عشرة آلاف مقاتل،تهزُّ أرواحَهم بشائرُ النبوة بفتح فارس وقصر المدائن الأبيض...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت