فهرس الكتاب
ها هو البيت الحرام مهوى أفئدة العرب،ومقصدُ حجهم وطوافهم.. وموسمُ الحج حينئذٍ وسيلة إعلامية رائعة،فالحجيج يسمعون أخبار بني فلان، وأنباء قبيلة فلان،ويسمعون عن شاعر ظهر،أو فارس برز،فينقلون هذه الأخبار وتلك الأنباء إلى بلادهم والبلاد التي يزورونها أو يمرُّون بها. وها هم اليوم يسمعون،بل يرون بأنفسهم رجلا بمكة يقول إنه نبي،ويدعوهم إلى نصره... ولكن ما أبعد عهد هذه البلاد بالنبوة،لقد طال الزمن ولم يسمعوا أحدا يقول بهذا!!
وتصل الأنباء إلى مسامع كسرى،فيطفح الغرور من ألفاظه وأفعاله،ولا يرى هذا الرجل الذي يدعو الناس إلى الله سوى عبدٍ متمردٍ سينتهى تمردُه بعد قليل.. ولكن نور الدين الجديد وقوة أصحابه ظلت تتسع،وانحسر الشرك أمامها،حتى بعث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بكتاب يدعو فيه كسرى إلى الإسلام،فدارت الدنيا بكسرى،وكان حديثَ عهدٍ بهزيمة ساحقة لحقتْه أمام الروم،فركبه الغضب،وكتب إلى عامله على اليمن باذان أن يأتيه بمحمدٍ هذا!!
وتأتى رسل باذن إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيكرمُهم كما يكرم الرسل،فلما ذكروا له أن كسرى يريده ما هزَّه اسمُ كسرى،ولا زعزع من يقينه شيئا،بل كلم الرسُلَ في رسوخ شهدت عليه السماء والأرض،وأبصره البشر بعيونهم،وأمرهم بأن يرجعوا إلى باذان ويخبروه بأن كسرى قد قتله ابنُه،وكان جبريل قد أخبر رسول الله بالخبر قبل أن يعلمه أهل فارس حول قصر كسرى نفسِه ... ويرجع الرسل إلى باذان فلا يملك حين صدَّق قول النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلا أن يؤمن وقومُه بالله ورسوله،ليحكم اليمن،لا تحت تاج كسرى،بل تحت سماء النبوة!
إذا جاء النور ينبغى أن تنقشع الظُّلْمة،وتسحب جنودَها.. وقد أقبل الإسلام بنوره فينبغى أن ينسحب الشرك بظلامه،ويلقى بأوثانه وأصنامه وطقوسه في متاهات النسيان... ولقد أتى يومٌ على جزيرة العرب وهى غارقة في الوثنية،حتى كبَّلت الأصنام والأوثان أقدس مقدسات هذه الأرض،وهى الكعبة،فمنعت عنها أنفاسَ التوحيد والموحدين،أما وقد بعث محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ خاتمُ المرسلين من هذه الجزيرة،فيجب أن يُرْفَعَ التناقض،فلا يكون في الموضع الذي فجَّ النور منه،وابتدأ انطلاقته من ربوعه ـ لا تكون فيه مساحة للشرك ولا للظلام..وقد أوصى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أصحابه في مرض موته"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"،ولما أجلى أبو بكر أهل نجران لشركهم قال:"نجليهم بأمر الله ورسوله،ألا يُتْرَكَ بجزيرة العرب دينان".
كما يتصل مجرى النهر بمنابعه اتصلت فتوحات الصحابة بغزوات النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وسراياه ووصاياه،وكان ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد أوصى قبيل وفاته بإقصاء الشرك والمشركين عن جزيرة العرب،فجدَّ الصحابة في ذلك،وخاضوا حروب الردة الشرسة،وعلى رأسها حرب اليمامة قريبا من ديار الفرس،الذين شجعوا الردة،وساندوا أصحابها..