الصفحة 472 من 604

وخرج هرقلُ القيصرُ الجديدُ من رحم الآمال الرومانية،بل من رحم الأحزان والمدن المهدمة،وظل ينظم دولته ويقوى جيشه المنهار،ويكافح الفرس حتى ألحق بهم هزيمة ساحقة قرب نِينَوَى سنة سبع وعشرين وستمائة،فقصم ظهورَهم،واسترد منهم أرض الدولة البيزنطية في أرْمينِيَّة والشام وفلسطين ومصر،واستعاد منهم بيت المقدس سنة ثلاثين وستمائة من الميلاد.

فتحت اليمن التي كانت خاضعة للتاج الفارسي أيام النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حين أسلم بَاذَانُ عاملُ كسرى عليها،فلم يجرد لها النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في هذا الحين جيشا،ولا خاض لأجلها حربا.. وكان هذا الفتح جزءا من بشارة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بخضوع البلاد والأنحاء لسلطان الدين الجديد..

ولكن إذا كانت اليمن عربية تضمها أرض شبه الجزيرة،فإن فارس والروم أعجميتان بعيدتان عن أحلام المسلمين،فهل يمكن أن يبشر محمد أصحابه بفتح فارس والشام واستخلاصهما من أنياب الفرس والروم،بل يبشرهم بكَسْرِ هذه الأنياب نفسها؟ نعم،لقد فعل،ولم يكن هذا بدافع نشوة نصر حققه،ولا رفعا لمعنويات أصحابه المستضعفين المضطهدين،بل كان حقا،في حكم ما وقع بالفعل،فإنها النبوة الملهمة المعلمة..

لقد بشر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أصحابه بالنصر وفتح الشام وفارس واليمن وهو يحفر معهم الخندق لكي يحتموا به في مدينتهم الصغيرة من الأحزاب القادمة لسحقهم،فقد اعترضَتْ طريقَ الناس صخرةٌ في الخندق عجزوا عن تحطيمها أو رفعها،فذهبوا إلى نبيهم يشتكون إليه،فأخذ المعول وسمى الله،ثم ضرب الصخرة فكسر ثلثها،وقال:"الله أكبر أُعْطِيتُ مفاتيح الشام،والله إنى لأبصر قصورها الحُمْر الساعة"وفي الضربة الثانية قطع ثلثا آخر من الصخرة وقال:"الله أكبر أُعْطِيتُ مفاتيح فارس،والله إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض"ثم حطم بقية الصخرة وقال:"الله أكبر،أُعْطِيتُ مفاتيح اليمن،والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكانى هذا الساعةَ"!

لبس أكثر ملوك فارس تيجان الكِبْر والتجبر،فكان الناس عبيدا عندهم،وكانت الشعوب أحذية لأقدامهم.. وبرز في ذلك كسرى أبرويز،فكان من أعظمهم كِبْرا،وأشدهم جبروتا،فأتاه من جزيرة العرب ما صدم كبرياءه،وهزَّ تَجَبُّرَه،فقد شق عبد الله بن حذافة السهمى الصحارَى،وانطلق من المدينة كما ينطلق السهم من الوتر،متوجها إلى مدائن كسرى،يحمل كتابا من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى"عظيم الفرس"،يدعوه وقومَه إلى الإسلام،فما أعطى كسرى نفسَه فرصةً لِيَعِىَ ويفهم ما حواه الكتاب من خير الدنيا والآخرة،بل غطى الكِبْرُ بصيرتَه،وطمس على قلبه،ولم يره إلا كتابا من"عبد"إلى"سيده"،وذلك في عرفه لا يجوز‍‍‍!!

فمزق كتاب النبوة الشريف،فنالتْه دعوة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم -:"مزق الله ملكه"إذ تمزق هو أولا فقتله ابنه شيرويه،ثم تمزق ملكه فحاز المسلمون ما تحت قدميه من البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت