الصفحة 471 من 604

والشائع هو أن الرسالة الخاتمة جاءت مع تمام رشد البشرية،غير أن الصواب هو أنها جاءت لإتمام هذا الرشد وتحقيقه،فالحال قبيل بعثة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ تؤكد أن الرشد حينَها كان عملةً نادرةَ الوجود،فجاء هَدْيُ خاتم الأنبياء ليُلغِيَ الوصاياتِ الكاذبةَ على روح الإنسان وعقله،فليس هناك رجال دين يفرضون كلمتَهم في الصغيرة والكبيرة،وليس هناك كهنوت يختصر الحياة بتعقيداتها وتنوعاتها المختلفة في تفسير واحد جامد...

ولكي لا يحتاج الناس إلى نبوة جديدة تكفَّل الله تعالى بإيجاد بدائل تُغني الخلق عنها،ومن ذلك ضمان حفظ ما يقوم عليه الدين من النصوص الشرعية،وبدلا من الصلاح المرحلي في النبوات السابقة أصبحت الرسالة الخاتمة صالحة لكل زمان ومكان،كما أنه لابد من وجود طائفة من المؤمنين قائمةٍ على الحق لا يضرهم مَنْ خالفهم.

الناس موزَّعون بين الأزمان والأماكن،فلا يجمعهم زمان واحد،ولا يضمهم مكان واحد،وقد ترتب على ذلك أن اختلفت العادات والوسائل التي تُستخدم في العيش،وشيء رائع جدًا،بل معجزة إلهية كُبرى أن ينزل الوحي ليلائم الناس جميعا...

ولقد ضمن للإسلام استمرارَ صلاحِه في الزمان والمكان أن الله ـ جل وعلا ـ فصَّل ما لا يختلف من زمان إلى زمان ولا من مكان إلى مكان،مثل أمور العبادة الشعائرية والأصول العقائدية،وأَجْمَلَ واختَصَرَ فيما تقبل وسائلُه التجديدَ والتطوير،فالشورى مثلا مبدأ إسلامي واجب،لكن وسائله قد تختلف من عصر إلى عصر بل من مكان إلى مكان،لذلك لم يفرض الإسلام شكلا معينا لتطبيق هذه الشورى،وتَرَكَ الناسَ يجتهدون ويُطَوِّرون في ذلك...

"إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقَتَهم عربَهم وعجمَهم،إلا بقايا من أهل الكتاب"،هكذا عبر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن حال الناس قبل بعثته،إذ مقتهم الجليلُ ـ سبحانه ـ وأبغضهم؛ لما ركبوه من ذنوب الكفر،والظلمِ الشائع بينهم.. ولقد كان الصراع على السيطرة بين الفرس والروم وجها كبيرا من وجوه ظلم العباد بعضهم بعضا،فقد نشأ بينهما صراعٌ مميتٌ وتنافسٌ مهلكٌ،كانت الضحايا فيه تعدُّ بمئات الآلاف من البشر لا بعشراتها،هذا غير المدن التى خُرِّبَتْ والقصور والقلاع والحصون التى هُدِّمَتْ..

وقد علت يد الفرس على الروم في بدايات بعثة النبى ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فحققوا انتصارا كبيرا عليهم عند أَنْطَاكِيَّة سنة ستمائة وثلاث عشرة من الميلاد،وسيطروا على فِلَسْطِين،وقبضوا على بيت المقدس،وامتد جبروتهم حتى خضعت لهم الإسكندرية.. وتجاوب مشركو مكة مع الأحداث وفرحوا لانتصار الوثنية على أهل الكتاب،ورأوا في ذلك صورة مبكرةً للصراع بينهم وبين الإسلام،وأن النهاية في الحالين ستكون واحدة: انتصار الوثنية وارتفاع شأن الأصنام،وخمودُ صوتِ الرسل...!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت