فهرس الكتاب
وفي عالم الدين عاشت جميع الأمم في وثنية حقيقية أو مُقَنَّعَةٍ،فلم يكن على الدين الصحيح إلا عدد قليل جدًا من الناس في الأرض كلها.
إن نبي الصدق يبشر بالخير وربما لا يكون هناك أمل في ظهوره،ويبشر بالنور ولا يكاد أحد يُبصر يديه من الظلام،أي حينما لا يتوقع العقل شيئا من ذلك عند قراءته للواقع.. كما يعلن النبي الصادق مبادئه العامة من أول يوم لدعوته،ولا يتراجع عنها: خَدَمَتْه الظروفُ أم خذلتْه..
ولقد أعلن محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ من أول دعوته أنه رسول الله إلى قومه خاصة وإلى الناس عامة،وتحركت دعوته حتى وفاته تخدم هذا المبدأ،وتصب في قناته،وفي هذه الدائرة كان كتاب الدعوة إلى الإسلام من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى كسرى أَبَرْوَيْز،والذي كان من نتائج إرساله إسلام بَاذَانَ عاملِ كسرى على اليمن،في خطوة مهمة على طريق إقصاء الشرك عن جزيرة العرب.
كما بشر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أصحابَه وهم محاصَرون في مكة تضطهدهم قريش،وبشرهم وهم خائفون في المدينة قد حاصرتهم الأحزاب ـ بنصرة ملتهم،وانتشار شريعتهم،وخضوع الأمم والمدن لهم وكانت البشرى بفتح فارس إحدى هذه الآيات.
"كان النبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة،وبُعِثْتُ إلى الناس عامة".. هكذا عبَّر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عن واحد من قوانين الله ـ تعالى ـ في إرسال الرسل،وهو اختصاص كل نبي بدعوة قومه وحدهم،فهذا النبي أرسل إلى كفرة عاد،وهذا إلى مشركي ثمود،وذاك إلى خِراف بني إسرائيل الضالة،وهكذا...
ولكنْ لأن النبوات قد خُتمت ببعثة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ورسالته،فقد كان لابد أن يتغير هذا القانون،فتكون دعوة خاتم النبيين عامة إلى جميع الناس في كل مكان وفي كل زمان،وهذا ما لم يتركْه القرآن للتخمين ولا الظن،بل حسمه في قول الله تعالى عن النبي محمد: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمةً لِلْعالَمِينَ ) [ الأنبياء: 107] .
لقد كانت،وستظل دعوة الإسلام تدور حول ثلاثةِ محاورَ هى: عالميتها وختمها لدعوات الأنبياء،وصلاحها الشامل الذي يستوعب الطبائع البشرية والاختلافات الزمانية والتفاوتات المكانية...
ولم تكن فكرة عالمية الدعوة الإسلامية في حياة الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مبدأً أطلقه وتركه يتحقق مع الزمن الطويل،بل كان يسعى إلى تطبيقه في مواقفَ عديدةٍ،من أشهرها الكتب التي وجهها إلى الملوك والرؤساء والأمراء ذوي الشأن في عصره...
ظل تجديد النبوات قانونا إلهيًا يعالج الانحراف العقائدي والخلقي لدى الأمم،حتى ختم الله تعالى الأنبياء بمحمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ،فوافق من سبقه من الأنبياء في عقيدته،غير أن شريعته كانت أكملَ وأتمَّ من شرائعهم،وهذا شيء طبيعي؛ لأن كل نبي كان مرحلة من مراحل النبوة قبل تمامها،وأما رسالة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقد كانت هى التمام والكمال والختام لما سبقها من الرسالات والنبوات..