فهرس الكتاب
فيه،وقد رَبَّتْ هذه الحروبُ بأحداثها الشديدة أهلَ الجزيرة،وعلمتْهم أن الإسلام قدَرُهُم وهُمْ قدَرُهُ،وأن التفريط فيه إنما هو تفريط في الذات والهويّة والكيْنُونة الخاصة...
لقد ثَبَّتَتْ هذه الحروبُ كثيرا من العرب على دينهم،ورسَّخَتْ أركان الدولة الإسلامية في جزيرة العرب،وهيأتْ لحروب أخرى أشدَّ وأشرسَ مع الفرس والروم،وإن كان عددٌ كبير من الصحابة قد استُشهد في هذه الحروب،فقد نَتَجَ عن ذلك الدعوةُ إلى جمع القرآن والقيامُ بهذه المهمة بالفعل.
العراق والشام هما جناحا الطائر لجزيرة العرب للانطلاق إلى العالم.. ورسالة الإسلام لم تأتِ لتُحبَس في هذه الجزيرة،أو تتوارى في رمالها،وإنما جاءت شمسا مضيئة تبدأ من هناك ثم تَمُدُّ أشعتَها إلى كل موضع يبلغه الليل والنهار..
وهذه كتائب الإسلام تخرج من أنحاء الجزيرة لتحقق هذا الهدف حاملة المبدأ قبل السيف،والدعوة إلى الله وحبَّ الشهادة قبل البحث عن الغنائم وكان لابد للفاتحين من جناحى الطائر: العراق والشام.
ولم يكن للمسلمين صلة بالعراق أيام النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ سوى دعوته الفرسَ إلى الإسلام،وتبشيرِه بفتح بلادهم.
ومع أبى بكر تأتى فتوح العراق الأولى سيلا من الانتصارات،حيث لم يُكْسَرْ للمسلمين سيفٌ،ولم تُنَكَّسْ لهم رايةٌ،إلا أن أيَّا من هذه الفتوح لم يكن بالحجم الذي يكسر شوكة الفرس تماما. وفي صدر إمارة عمر بن الخطاب يصاب مُنحنى الانتصارات بانتكاسةٍ خطيرةٍ في يوم الجِسر،إلا أنه سرعان ما يتصاعد حتى يصل قمته بدخول المسلمين المدائنَ عاصمةَ الساسانيين. ويأتى الخليفة الثالث عثمان متابعا خُطا سلفَيْه،حتى ينتهى في عهده ملك بنى ساسان إلى الأبد بمقتل كسرى يَزْدَجِرْد الثالث.
كما ينزل المطر على الأرض الميتة فيحييها،جاءت بعثة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بلسما أنقذ البشرية من الموت،وأحيا الله به قلوبَ مَنْ آمن بالله ورسوله،ووجَّه طاقاتِهم ومواهبَهم لخدمة الحق والصواب.. لقد كانت البشرية قبيل الإسلام مشرفةً على موت محقَّق،إذ كانت حركة التاريخ حينَها عملا رتيبا من المظالم المتراكمة في الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للإنسان،ففي السياسات الداخلية استبدت الأسر الحاكمة ورؤساء القبائل بالحكم والسيادة،وفي السياسة الخارجية استولت الإمبراطوريات القوية على أرض الشعوب الضعيفة،وأكلت أرزاقها،وتصارع الأقوياء فيما بينهم في حروب طاحنة ملأت السهول والأودية بالدماء والقتلى..
وفي الحياة الاجتماعية ظُلمت المرأة،وهُضمت حقوقها،وانتشرت الفواحش وشُرْبُ الخمرِ،وتعدى مَنْ له حول وقوة على الضعفاء الذين لا سند لهم،وعمَّ التفاوت الاجتماعى الهائل بين طبقات كل شعب وبين بعضها البعض. وفي دنيا الاقتصاد فاز بفرص الربح التجاري من له قوة تحمي تجارته،واستبد السادة بأموال الجماهير الكادحة،وعاشت أقلية في ترف شديد وأكثرية في فقر أشد.