الصفحة 468 من 604

تَتَّكِئُ مَهْرَةُ في وسط الجزيرة تماما على شاطئ البحر من الجنوب،وقد زحف إليها عكرمة في جيشه بعد أن فتح اللهُ للمسلمين عُمَانَ،وعاد عَرْفَجَة بن هَرْثَمَة بخُمس السَّبْي والغنائم إلى أبي بكر،وبقي حذيفة بنُ مِحْصَنٍ في عُمَان لتسكين الناس..

وما كان لعكرمة أن ينسى استنصارَ المسلمين في عُمَان وما حولها،حيث جاءوه من كل ناحية،واقتحم على أهل مَهْرة بلادَهم،فوجدهم جَمْعَيْنِ،ولم يَدْر بأيهما يبدأ: أَبمَنْ تجمَّعَ له بجيرُوت وهم الأقل،أم بمَنْ احتشد بالنَّجْد وهم الأكثرون؟!

وراح عكرمة يفعل فعلَ قادة المسلمين كما أوصاهم أبو بكر،فدعا الجَمْعَيْن من المرتدين إلى الإسلام،لا سياسة ولا مناورة،وإنما حب في اهتداء الناس إلى الله،فأجابه شِخْرِيت قائد أهل جيروت،واغتر المُصَبَّح قائدُ النَّجْد بمن تَحَلَّق حوله من المرتدين.

وما هو إلا أنْ وقعت الحرب،فكان المُصَبَّحُ شؤمًا على نفسه وقومه،فأدركتْهم هزيمة ساحِقة،وقتَلَ فيهم المسلمون كيف شاءوا،وقُتِل المُصَبَّحُ نفسُه.

وراح الأمير عكرمة بعدها يجمع الناس في عُمَان ومَهْرة ليبايعوا على الإسلام،فبايعوا وخلعوا ثياب الردة والتردد،واتجه هو لإعانة المسلمين في قتال المرتدين في اليمن.

تكاد تختنق ثم يتسع المدى أمام صدرك ليتنفس كلَّ هواءِ العالمِ النقي،هكذا بدأ الإسلام عند بداية الردة ولدى نهايتها،ضاقتْ عليه السُّبُلُ،واشتدتْ بأهله المِحَنُ،حتى أيَّدَ اللهُ الثابتين من عباده،وحقق المعجزة على أيديهم،فكسروا كل شوكة لمرتدٍّ أو مانعٍ للزكاة في بضعة أشهر...

و إذا كان النصر قَدَرًا من قَدَرِ الله ـ تعالى ـ وتأييده لمن نصر دينه،فإن ذلك لا يُلغي من الصورة عوامل أخرى قام النصر على أكتافها؛ من رسوخ عقيدة الإسلام في نفوس الصحابة رسوخًا جعلهم يُضَحُّون بكل ما يملكون،وكذلك صدق عزيمة أبي بكر وتصميمه على مقاومة أي أحد يحاول أن يَنْتَقِصَ من الإسلام شيئا،وفساد المبادئ التي قامت عليها الردة،ومهاجمة العدو في عُقْر دارِه،وحُسْن بلاء أولي السابقة في الإسلام،وحبّ المسلمين للشهادة،وبطولة قادة الحروب،وخاصة خالد بن الوليد.

لقد كان الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ حريصا كل الحرص على حسن القيام على رعاية الأمانة التي تركها رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ملتزما في ذلك بسنة النبي ووصاياه مهما كان الوضع خطيرا،فأيده الله ووفر لديه الرجال الذين يؤدون له الدورَ المطلوب،فقد حرص مثلا على إِنْفَاذِ بَعْثِ أسامة إلى الشام تنفيذا لوصية رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مع حاجته الشديدة لكل جندي من هؤلاء،ففهم المرتدّون أن أبا بكر لم يفعلْ ذلك إلا لما لديه من القوة وإلامكانات الكبيرة.

لقد كانت حروب الردة واحدًا من الأحداث الكبيرة في تاريخ هذا الدين،وبالرغم من أنها ظهرت في البداية كارثةً ضخمةً،فإنها قد بَدَتْ في النهاية كقَدَرٍ رائع خُدِمَ به الإسلامُ في منبعه الذي ظهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت