الصفحة 467 من 604

اطمأن العلاء إلى أن المسلمين في البحرين قد أَضْحَوْا في أمان بعد أن خاب مسعى المرتدين،وهُزموا في هَجَر هزيمة منكرة،ولكن تبقى دارِين بركانا للردة يقبل الانفجار في أي وقت،فسار إليهم العلاء بجنوده،وهو يعلم أن عدة البشر لا تكفي وحدها لتأتي بالنصر،إذْ لابد أن تسبقها مشيئة الله ـ تعالى ـ وعونُه..

لقد كانت الصحراء في المرة السابقة قاسية،وهذه المرة في الطريق إلى دارِين ما هو أشق من الصحراء وأشد،إنه البحر بأمواجه،وهناك لا حل أمام البشر وأقدامهم.. وقف القائد العلاءُ بجنوده أمام الساحل،استحضروا كل ما يمكن أن يحمله القلبُ البشري من الإيمان،والوجدانُ الإنساني من الإحساس بِمَعِيَّةِ الرحمن،ومنهم من يركب جواده،ومنهم من يركب جَمَلَه،ومنهم مَنْ يمتطي بغلا،بل منهم من يركب حمارًا أو يمشي على قدميه،وراحت الألْسُنُ تبتهل إلى الله،تذكره في أنشودة جمعت الإنس والحيوان والبحر والسماء فعبر المسلمون الخليجَ في رحلة تقطعها السفينة في يوم وليلة،وطاوعَهم الماء فساروا عليه كما يسيرون على الأرض السهلة لا جبل فيها ولا مُنْحَدَر..

وكانت هذه الآيةُ كفيلةً بأن ترفع أرواح الجنود إلى سماء الطمأنينة واليقين،فساروا إلى عدوهم واقتتلوا معه قتالا شديدا،حتى أستأصلوهم،وسَبَوْا ذرياتِهم،وغَنِمُوا غنائمَ عظيمة.

لم تكن المسافة الكبيرة بين عُمَان والمدينة لتَثْنِيَ أبا بكر عن العمل على إخماد الردة فيها،فقد طغى فيها ذو التاج لقيطُ بنُ مالك،وادَّعى النبوةَ،وتبعه خلق كثير من أهل عُمان،حتى ألجأوا ملِكَيْها المسلمَيْن جَيْفَرًا وعَبَّادًا إلى الجبل والبحر... وما كان لأبي بكر أن يتأخر عن نجدة مسلم،ولو كان في أقاصي الأرض،وقد أتاه كتاب من جَيْفر يخبره بالحال،ويطلب مددًا وجيشًا..

واختص أبو بكر حذيفةَ بنَ مِحْصَن بغزو عُمَان،وأمر عَرْفجَة بنَ هَرْثَمَة المتجهَ لغزو المرتدين في مَهْرَةَ بإعانته،وأمر عكرمة بنَ أبي جهل بمثل ذلك... وجَدَّت الجيوشُ في سيرها والقصد عُمان،حتى إذا قاربوها كتبوا إلى جَيْفر وعَبَّاد،وصارت القيادة إلى عكرمة،وخرج جَيْفَر وأخوه فعسكرا بصُحَار،بينما بلغت الأنباءُ زعماءَ المرتدين فعسكروا بدَبَا... وتقاطرت جيوش المدينة على صُحَار،وبدأوا بالسلم حتى لا يبقى للمرتدين عُذرٌ ولاحُجة،فكتب المسلمون إلى لَقِيطٍ ومَنْ معه من الرؤساء ليراجعوا أنفسَهم،ويرجعوا إلى الدين،فانفضَّ البعض عن مدعي النبوة،لكنه بقي في قوة كبيرة من أتباعه... وزحف المسلمون جهة دَبَا،وصادموا المشركين هناك،فقاتل المرتدون قتالا شرسا؛ إذْ جمع لهم لَقِيط أطفالَهم ونساءَهم خلف الصفوف،فكان الواحد منهم يرى صورةَ ابنِه ووجهَ زوجتِه على صفحة السيف فيزداد ثباتا ورسوخا،حتى اهتزت صفوف المسلمين،ووقع فيها الخلل،وداعب النصر أحلامَ المرتدين،وبعد أن كادت المعركة تعلن نتيجتها لصالح العدو،جاء إلى المسلمين مددٌ من بني ناجِية وعبدِ القيس،فقوَّى اللهُ بهم أهلَ الإسلام،وأضعف بهم أهل الشرك حتى ولَّوْا هاربين،وركِبتْهم سيوف المسلمين،حتى قتلوا منهم عددا كبيرا،وغنموا وسَبَوْا شيئا كثيرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت