الصفحة 466 من 604

نصفَها الآخرَ،وعرض عليها الزواجَ فتزوجتْه،وأعطاها مهرَها صلاتَي الفجر والعشاء أسقطهما عن الناس...!

وكانت هذه هزيمة نفسية للمتنبئة وقومِها من بني تغلِب والنَّمِر وغيرهم،منعتْها من أن تستولي على بلاد اليمامة،غلبها الكذابُ الداهية بمكره وحيلته.. وبينما الباطل يتزوج من الباطل هكذا،حَمَلَت الرياحُ أخبار خالد بن الوليد الذي أجهد الصحراء وأجهدته،حتى قاربَ ديارَ بني حنيفة باليمامة،وامتلأت آذانُ سجاح وقومِها بهذه الأخبار فانسحبت بهم إلى الجزيرة بشمال العراق حيث المجاوَرَةِ للفرس والوقوع تحت سلطانهم،الذي يرجِّح أن سجاح وقومها جاءوا لغزو المدينة بتحريض من الفرس.

هذه الأرض تَعرف العلاءَ بنَ الحَضرمِيِّ ويعرفها،فقد جاءها من قبلُ يحمل كتاب الدعوة من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين،ورجع العلاء يومها بإسلام ملك البحرين والكثير من رعيته،واليوم يحمل العلاء بن الحضرمي لواءً ويقود جيشا إلى البحرين لقتال المرتدين هناك.

لقد كان المنذر بن ساوي على موعد لكي يكون أولَ أمير مسلم ينتقل إلى جوار ربه بعد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حيث اهتز الناس في البحرين بعدها،وارتدت بكر وربيعة،وهمَّتْ عبد القيس بالكفر،حتى وقف لهم الرجلُ المباركُ الجارودُ بنُ المُعَلَّى فردهم إلى الحق والصواب. وتَزَعَّمَ الردةَ الحُطَمُ بنُ ضُبَيْعَةَ،ونزل بأتباعه القطيفَ وهَجَر،ووضع يده على دارِينَ وجُؤاثَى،فحوصر المسلمون من بني عبد القيس،حتى اشتد بهم الجوعُ وكادوا أن يَهلِكوا ... وأقبل العلاء من الحجاز في جيش يخترق الصحراء،ويتحدى بإيمانه قسوتها،فلما اقترب من اليمامة انضم إليه ثُمامةُ بنُ أُثَال في مسلمي بني حنيفة،ثم قواتٌ أخرى من مسلمي بني تميم،فزاده الله بهم قوة وعزما.. واستمر جيش العلاء في مسيره لا يقطعون صحراءَ إلا بدت لهم غيرها،حتى سلكوا صحراء الدهناء نحو هجر،وأراهم الله من الآيات ما أثْلَجَ الصدورَ،وثَبَّتَ الإيمانَ في القلوب. ووقفوا على أبواب هَجَر،وقد اجتمعت فيها قوات الحُطَم المرتدةُ عدا أهل دارِين الذين كانت لهم جَولة وحدهم مع العلاء...

وبدأت خُطا الحرب تقترب،فحرك العلاءُ الجارودَ ومن معه من مسلمي عبد القيس إلى الغرب من هجر،ونزل هو بجنده في شمالها وشرقها،وخندقَ المشركون على أنفسهم،وخندق المسلمون،فكانوا يتبادلون القتال ثم يرجعون للاحتماء بالخنادق يوما بعد يوم والحرب عَطْشَى تدور ببطء،حتى انقضى شهرٌ وهم على ذلك،وفي ليل ساكن إلا من عبادة وصلاة في معسكر المسلمين،اخترقت الصمتَ قهقهاتٌ سَكْرَى من معسكر المرتدّين،وعلا صوت الضوضاء شيئا فشيئا،حتى عجِب المسلمون وبعثوا مَنْ يأتيهم بخبر القوم،فإذا قوارير الخمر وكؤوسها قد هزمتْهم قبل أن يَنزل فيهم المسلمون بسيوفهم،فاقتحم العلاء ومَنْ معه خنادق المشركين،ووضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا،وقُتل الحُطَمُ ذليلا،وأتباعه ما بين قتيل وأسير وهارب ومتردٍّ في الخندق،ومندهشٍ لا يدري ماذا يجرى!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت