فهرس الكتاب
العدو صبرا شديدا،طمعا في أن يأتيهم مدد من قِبَل المدائن،فنذر خالد بن الوليد إن أمكنه الله منهم أن يجري النهر بدمائهم،وحمل هو وجنوده في هجمة شديدة على العدو،وبعد ساعة من الصياح والضرب والطعن أمكن الله المسلمين من عدوهم،وأجرى خالد النهر بدمائهم حين أرسل عليها الماء ... وجلس المسلمون على الطعام الذي أعده الفرس لأنفسهم فتعشَّوْا به!
أكلت الحرب يوم أُلَّيس عددا كبيرا من جنود فارس،وكان أكثر هؤلاء من أحد أمصار العراق الكبيرة،وهو أمغيشيا،وقد خرجوا إلى القتال في أُلَّيس ليمنعوا نيران الحرب من أن تصل إلى بلدهم المعروف بالثراء والغنى الواسع،وفي ظن هؤلاء أنهم سيَلْقَوْنَ جيشا ككل الجيوش،إن انهزم ـ وهذا هو الأرجح عندهم ـ فقد كُفُوا شرَّه،وإن انتصر اكتفي بما أخذه من أُلَّيس.
وفي ساعة الحرب في أُلَّيس رأى جنود أمغيشيا وزملاؤهم ما أدهشهم،وكاد يذهب بعقولهم،فقد رأوا جنود المسلمين ينقَضُّون على عدوهم انقضاضَ الأسد على فريسته،ويُقْبِلون على القتال وكأنهم حريصون على الموت لا على الحياة...
أَرْعَبَ هذا مَنْ بقي من أهل أمغيشيا،فلم يرجعوا إلى بلدهم،بل تفرقوا في سَوَادِ العراق،وهرب بقية سكان المدينة المقيمين،وشغلهم البحث عن النجاة عن أخذ أمتعتهم وممتلكاتهم معهم،فدخل المسلمون أمغيشيا وهدموها حتى لا ينتفع بها العدو،وربحوا فيها من الغنائم ما لا يُحْصَى.
لم تكن الانتصارات التي حققها المسلمون في ذات السلاسل والمذار والولَجة وأُلَّيس وأمغيشيا إلا مقدمة لمداهمة العدو في مراكز سيطرته الأساسية،وعلى رأسها الحيرة والمدائن ... فركب خالد بن الوليد وجنوده السفن لعبور الفرات،لكن الآزاذبة أمير الحيرة لم يقف مكتوف الأيدى،بل سعى بكل قوة لمنع المسلمين من العبور،فوجه ابنه في جيش لتحويل مياه النهر عن مسارها،وخرج الآزاذبة نفسه في جيش آخر للقتال..
وظلت السفن تشق ماء النهر بالمسلمين،حتى فوجئوا بها قد جنحت وتوقفت عن المسير تماما،وبسرعة كبيرة يخرج خالد في كتيبة من فرسانه لإنقاذ الموقف،وينجح في إعادة مياه النهر إلى مجراها الطبيعى،ويقاتل ابنَ أميرِ الحيرة حتى يَفِرَّ من أمامه مهزوما... وتجدد السفن حركتها،وتستأنف العبور بالمسلمين،حتى تسلِّمَهم إلى الضفة الأخرى... وسرعان ما تصل الأنباء إلى الآزاذبة بهزيمة ابنه وموت كسرى أردشير،فيفر هاربا لينجو بنفسه ومن معه...
وفي الخورنق يجتمع جيش خالد بن الوليد،ويعسكر في موقع جيش الآزاذبة بين الغريين والقصر الأبيض،بينما كان أهل الحيرة قد أغلقوا عليهم أبوابهم وتحصنوا،فأدخل عليهم خالد فرسانه ووزعهم على أنحائها،وأمر قواده بمحاصرة القصور،وتخيير أهل الحيرة بين الإسلام والجزية والحرب،فاختاروا الحرب والقتال،لتبدأ سهام المسلمين الانطلاق من كل ناحية،وتُشن عليهم الغارات من كل جهة،حتى فتح المسلمون المنازل والأديرة،فقَبِلَ أهل الحيرة الصلح،فصالحهم خالد،وكتب لهم كتابا بذلك.