الصفحة 480 من 604

بعد كل هذه الوقائع والمعارك في المذار وأليس والحيرة وغيرها،أصبح الحديث عن خالد بن الوليد وجنده يملأ العراق وفارس،ويشغل العامة والخاصة،حتى النساء في بيوتهن،تصحب ذلك رهبة هائلة وخوف شديد،عبَّر عنهما أهل الأنبار حينما رأوا المسلمين عند حصونهم فقالوا: صَبَّحَ الأنبارَ شرٌّ!

بل صبحهم كل خير لو فهموا وفقهوا،فالفاتحون ليسوا همجا همُّهم التخريب والقتل،وليسوا مغامرين همّهم جمع المغانم،وتسجيل بطولات يتحدث عنها الناس.. بل هُمْ قوم جاءوا ليكشفوا عن القلوب غِشاوتَها،وعن العقول أغطيتَها،ويرشدوا الناس إلى الدين الحق... جاءوا ليرفعوا العبودية عن المستعبَدين،ولينشروا العدل بين المضطهدين..

ونشب القتال حول الأنبار،ونظر خالد إلى القوم بعينيه فوزنهم،فإذا بهم ليسوا أهل حرب،فأمر رماته،بأن يضربوا الأعداء في عيونهم.. وراسل قائدُ الفرس يومئذ شيرزاذُ ـ وكان رجلا عاقلا ـ خالد بن الوليد يطلب الصلح،ولكن على شروط لم يقبلْها المسلمون،فاستمرت الحرب،وأراد المسلمون أن يقتحموا خندق القوم،ويدخلوا عليهم بلدهم،فأمر القائد خالد بذبح كل ناقة ضعيفة هزيلة معه ووضْعِها في مكان ضيق من الخندق،حتى يعبره المسلمون.. ولم يجد أهل الأنبار حينئذ سوى حصونهم فطاروا إليها يحملهم الفرار من الموت حملا... وأعاد شيرزاذ مراسلة المسلمين فصالحوه،وصالحوا ما حول الأنبار..

وفي هذه الوقعة فُقئت ألف عين من أهل الأنبار،فسميت المعركة بـ"ذات العيون".

ما زال الفرس يتقون لقاء خالد بن الوليد وجندِه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا،بعدما رأوا منه في اللقاءات السابقة،ويستغلون كل فرصة سانحة إلى ذلك،وهذا عقَّة بن أبي عقَّة في جمع كبير من العرب النصارى يعطي مهران الفارسي وجنوده بعين التمر بابا للهروب من لقاء المسلمين فيقول: إن العرب أعلم بقتال العرب،فدعْنا وخالدا! وما علم أن العرب الذين يقفون أمامه ليسوا هم العرب الذين كانوا في الجاهلية،بل تغيرت النفوس فأصبح سعيها لله،وتغيرت العقول فاستقامت فكرتها عن الكون والممات والحياة ...

وبينما عَقَّة ينظم صفوفه،فيقدم هذا،ويؤخر هذا،وينظر في سيف هذا،ودرع هذا،إذا بأسد يخطفه من بين جنوده خطفا،ويأخذه إلى المسلمين أسيرا،ولم يكن هذا الأسد سوى القائد العظيم خالد بن الوليد ... !

كان هذا كافيا لتحديد مسار المعركة،فقد وصل النبأ إلى القائد مهران وهو في حصنه،فحمل متاعه وجنوده وهرب،وأما العرب فقد انهزموا أمام المسلمين بدون قتال،ولجأوا إلى الحصن،فأتبعهم المسلمون يحملون أسرى من أعدائهم،وظن أهل الحصن أنها غارة من غارات العرب التي كانت في الجاهلية،تأخذ الهدف القريب وتدع الصعب البعيد،ولكن المسلمين لم يدَعُوا هدفا صعبا ولا سهلا إلا وحاولوا الوصول إليه،فسأل أهلُ الحصن الأمان،فأبَى خالد إلا النزول على شروطه،فلما نزلوا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت