فهرس الكتاب
شروطه أسرهم وقتلهم،حتى لا يرجع العرب إلى معاونة الفرس ثانية.هذه المرة لن يوغل خالد في العراق أكثر،ولن يخترق حاجزا فارسيا جديدا،بل سيرجع ناحية الغرب مائلا إلى الجنوب،والكتاب الذي يمسكه بين يديه ويقرأ فيه الآن هو الذي فرض عليه هذا التحرك،فماذا في الكتاب؟ إنه من عياض بن غَنم يطلب عونا على قتال المشركين بدُومة الجندل فقد حاصرهم وحاصروه وقطعوا عليه الطريق،وما كان لخالد أن يتأخر عن نجدة إخوانه فما أسرع ما كتب كتابا إلى عياض يطمئنه بقدوم المسلمين لنجدته،وما أسرع ما أعد جنده لغزو دُومة الجندل التي بلغ أهلَها أخبارُ المسلمين القادمين فاختلفوا بين المصالحة والحرب،وانتصر رأى المؤيدين للحرب،ووصلتهم أمداد من نصارى العرب حتى ضاقت عنهم حصون المدينة...
وينزل خالد بحيث يجعل إلى باب الحصن ينظر إليه ويتملى فيه باحثا عن موضع ضعف،ولم يتركه حتى اقتلعه وأزاله من مكانه وفتح الطريق أمام المسلمين،فقتلوا المحاربين من المشركين وسَبَوْا نساءهم.
تولى القعقاع بن عمرو تدبير أمر الحيرة أثناء فتح دُومة الجندل،ويا لها من مهمة شاقة،فالأعداء حول الحيرة عربًا وفرسًا قد كثُروا بعد انكساراتهم وهزائمهم المتتابعة.. واليوم يداعبهم أمل في أن يذوقوا طعم النصر أو يشموا له رائحة،أطمعهم في ذلك إقامةُ خالد بدُومة الجندل بعد فتحها،فتلك فرصة سانحة لاسترجاع البلاد التي خرجت من تحت سلطانهم،واستعادة الهيبة التي أذهبتها سيوف المسلمين.
ويخرج الأعداء من كل ناحية،وكأنهم حيَّاتٌ خارجة من جحورها،بعد أن اختبأت زمنا خوفا من الصقور والسباع... جَيْشان من الفرس يقودهما زَرْمهر ورُوزبه،وجيشان من نصارى العرب الغاضبين لمقتل عَقَّةَ بن أبي عقة بعين التمر. فشغل القعقاع الفرسَ ببعض جنوده،ومنعهم من دخول الريف،وانتظر الفرسُ قدومَ حلفائهم من العرب،فساقت الأقدار إليهم خالد بن الوليد،الذي كتب إليه أعوانه بأن نصارى العرب قد عسكروا بالمصيّخ والثّنيّ يريدون الاجتماع بحلفائهم الفرس.. ويسبق القعقاع وأعْبَدُ بنُ فَدَكي خالدا إلى عين التمر،فيتحرك خالد خلفهما،ومن هناك يرسل بالقعقاع ليلاقى جيش روزبه ومَنْ معه من العرب،وابن فدكي لقتال جيش زرمهر..
ويرى روزبه السباعَ يقودهم القعقاع وهى تَحُومُ حوله،فيطلب القائد الفارسيّ مددا،فيقبل إليه زرْمهر بنفسه،ويترك على قيادة جيشه المهبوذان.. وظنُّوا أن خالدا غائب،وأن المعركة ستكون لذلك في صالحهم،فوقعت الحرب في حُصيد حامية،وحصدت أرواح المشركين حصدا،حتى قُتل القائدان الفارسيان ... وفر المنهزمون نحو الخنافِس لينضموا إلى جيش المهبوذان،الذي ما وصلته أخبار انكسار قومه وقدوم أعبد بن فَدَكي إليه إلا وأسرع بالهرب إلى المصيّخ لينضم إلى جيش الهذيل بن عمران المعسكِر هناك.