الصفحة 482 من 604

في حُصيد والخنافِس قُضِى على الجانب الفارسي من التحالف بين الفرس ونصارى العرب الذين استغلوا غيابَ خالد بن الوليد بدُومة الجندل،وأما الجانب العربى،فقد عسكر الهُذَيْلُ بنُ عمران ومعه الهاربون من الخنافس بالمصيَّخ،بينما نزل ربيعة بن بجير التغلبي بالثنيّ والبشر..

فأما المصيَّخ،فتواعد خالد مع قادته: القعقاع وابن فدكي وعروة بن الجعد البارقي على ليلة معينة يلتقون فيها للغارة عليها،وفي الموعد المحدد أغار المسلمون على الهذيل وجنوده من ثلاث نواحٍ غارةً مفاجئةً وهم يغطّون في نوم عميق،فكان السيف فوقهم أحلاما مزعجة أزهقت أرواحهم،غير أن الهذيل فر في عدد قليل من أصحابه إلى الزُّميل،فتبعهم خالد بعد الانتهاء من الثنيّ،فأغار عليهم مثل الغارة الأولى،حتى قضى عليهم وأفناهم.

وأما الثني فقد باغتهم خالد بمثل ذلك،إذ ارتحل القعقاع وابنُ فدكي أمامه،وخرج خالد من المصيَّخ فنزل حوران،ثم الرَّنْق ثم الحماة،ثم الزُّميل،ومال إلى الثنيّ ففاجأهم ليلا من ثلاثة أوجه،فلم يفلت من أنياب الموت أحد من العدو،ثم مال إلى الزميل ففعل بهم مثل ذلك،وسبى بنات الأشراف.

وينتهى خالد بن الوليد من مشهد الثني والزُّميل،فيميل في مشهد آخر سريع إلى الرضاب،فلا يجد هناك أحدا يقاتله،إذ اختطف الرعبُ والخوفُ قلوبَ أهله ففروا يطلبون النجاة لما سمعوا بقرب خالد وجنوده منهم.. وعلى الحدود المشتركة بين العراق والجزيرة والشام يُعْقَدُ زواجٌ غير شرعى بين الخصوم وبعضهم البعض،إذ يجتمع العدو مع عدوِّه اللدود ضد الإسلام والمسلمين.. قل ما أشبه الليلة بالبارحة،فبالأمس سنة خمس من الهجرة اجتمعت الأحزاب المتعادية والمتخاصمة من اليهود ومشركي قريش ومشركي غطفان وغيرِهم لاكتساح المسلمين في المدينة،واليوم سنة اثنتي عشرة من الهجرة يلتقى الروم مع أعدى أعدائهم من الفرس في تحالف ينضم إليه نصارى القبائل العربية من تغلب وإياد والنمر.. وينسى كلٌّ منهم ثأره وعداوته للآخر في وجه عدو مشترك،هو الإسلام...!

وسارت الأحزاب إلى الفراض وقد زين لهم الشيطانُ أعمالَهم،وأوهمهم بأنهم لا غالب لهم.. ساروا والأرض التي تدوسها أقدامهم لا تحمد خطواتهم،بل ودت لو ابتلعتهم،والسماء تظلهم وودت لو خسفت بهم وأهلكتهم،حتى وصلوا إلى شاطئ الفرات،والماء يود لو أُذن له فأغرقهم.. لكن اللهَ الرحمنَ الرحيمَ لم يأذن لخلقه بذلك،وأراد أن يمتحن المؤمنين ويمحِّصهم بالكافرين.

وانتظر المسلمون أعداءهم حتى عبروا إليهم الفرات،وقد أتم كل فريق استعداده،فدار القتال بين الفريقين شديدا وشرسا،وكل يصبر على عدوه رجاء أن يدركه الوهن والضعف،فكان المسلمون أعظم صبرا،حتى كسروا مقاومة عدوهم،وحاقت به الهزيمة فراح يتراجع إلى الوراء حتى فرَّ مَنْ لم يدركه السيف منهم،فأمر خالد بن الوليد رجالَه بتتبُّع العدو،وعدم تركه يفرّ،حتى لا يعودوا لمثل هذا التحالف أبدا فهلك منه مائة ألف.. وكان ذلك في شهر ذي القعدة من العام الثاني عشر،فترك خالد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت