فهرس الكتاب
الجيش سرا،وذهب للحج دون إذن من أبي بكر،الذي عاتبه على ذلك،وصرفه بعدها إلى الشام،لتبدأ جهود المثنى بن حارثة في قيادة الفتوح على الجبهة الفارسية.
اشتاقت نفس خالد بن الوليد إلى الحج والمغامرة معًا،ولم يكن بقي على يوم الحج الأكبرِ سوى أسبوعين،ففرَغَ من قتال المشركين في وقْعة الفراض،ثم توجه في مجموعة من أصحابه نحو مكة كاتمًا الخبرَ عن الناس،ولم يجد وقتا يستأذن فيه خليفةَ رسول الله،"فسار طريقا من طرق أهل الجزيرة،لم يُرَ طريقٌ أعجب منه،ولا أشد على صعوبته منه"،يعتمد على حسه الشخصى ـ لا خبرته ـ في معرفة أقصر طريق،فسار من الفراض إلى ماء العنبري،ثم أتى مِثْقبا حتى انتهى إلى ذات عِرْق،وهناك لبس وأصحابُه ملابسَ الإحرامِ،وراحوا يُلَبُّونَ،حتى أسلمهم الطريق إلى عرفات،وراحت عيونهم تصافح عرفات والمواضع التي وقفوا فيها مع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ منذ عامين فقط،حتى قضى خالد وصحبه المناسك،دون أن يعرفهم أحد،ثم انصرف بهم راجعا إلى جنوده في العراق،يقاوم شدة الطريق،ويسابق الزمن المتسارع،حتى أدرك مؤخرة جنده وهم يدخلون الحيرة قبل أن يكتمل نموُّ شَعرِه الذي حلقه في المناسك...
ويعتب الصِدِّيقُ على خالد بعد علمه بتلك المغامرة الكبيرة،ويصرفه للقتال مع إخوانه المجاهدين في الجبهة الرومية...
ليس من سنة الله تعالى أن ينتصر أهل الحق دائما،وإلا لَظَنُّوا أنهم ينصرون أنفسهم،ولَقَلَّ أحباب الله من الشهداء،ولَغابت عن المسلمين دروس عظيمة يتعلمها الإنسان من الهزيمة ولا يتعلمها من النصر!!
هكذا تبدأ فتوح العراق على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بانتصارات محدودة،تليها هزيمةٌ مدويةٌ ومفاجئة يوم الجسر،علَّمت المسلمين دروسا كثيرة للمعارك واللقاءات التالية مع العدو،فعادت الانتصارات الإسلامية الرائعة،وكان النصر في البويب،والفتح في القادسية،وجللت الهزيمةُ الفرسَ في جلولاء،وانتصر الشهداء في نهاوند.... لتبدأ بعدها مرحلة فتوح المدن والأمصار المتناثرة في أنحاء الإمبراطورية الساسانية،تلك المدن والأمصار التي كانت عامرة بالناس،خاوية من الدين،وخرجت منها بعد ذلك جيوش من العلماء والزهاد والعُبَّاد والقادة،كمدن خراسان القوية،وأذربيجان،وأرمينِيَّة،وجرجان،وسجستان،والرَّي،وغيرها كثير.
وكان المسلمون حينئذٍ في زحفهم وفتحهم هنا وهناك يطاردون كسرى يَزْدَجِرْد،ومات أمير المؤمنين عمر بخنجر فارسي وحالُ المطاردة مستمر.
تعوَّد المثنى ألا يخالف أمر قائده خالد بن الوليد،لكنه اليوم يخالفه ويغضب منه أيضا،وليس ذلك صراعا على دينار ولا درهم،ولا منافسة على ذهب ولا فضة،وإنما أمر أبو بكر خالدا بالسير إلى الشام في نصف جنود العراق،وأن يدع النصف الآخر مع المثنى،على ألا يأخذ شجاعا ذا نجدة إلا ترك للمُثَنَّى مثلَه،لكن خالدا حشد الصحابة وجمعهم في جيشه،فغضب المثنى واعترض على ذلك،وقال:"والله لا"