فهرس الكتاب
أقيم إلا على إنفاذ أمر أبى بكر،وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم -"،فلما رأى خالد ذلك أرضاه!"
والمثنى ليس فقط هو أول من شجع المسلمين على غزو فارس،وهوَّن من شأن الفرس على المسلمين بل هو أيضا صاحب جهود هائلة في قيادة الفتوح والترتيب لها،فقد قاد المسلمين بعد مسير خالد إلى الشام إلى النصر فوق أطلال بابل التاريخية،كما تولى قيادة المسلمين يوم الجسر بعد استشهاد القائد أبي عبيد الثقفي،ويومَ البويب الذي ذاق الفرسُ فيه هزيمةً مريرةً.
وكان المثنى يتابع حركة الفتح في فارس،ويطلب المدد من الخلافة حين يجد ميزان القوى مختلا اختلالا كبيرا ضد المسلمين،فقد استمد الخلافةَ مرةً فأمدَّتْه بخالد بن الوليد،وفي الثانية أمدته بأبي عبيد الثقفي،وفي الثالثة أمدته بجند كثيف قاتل بهم يوم البويب،ثم أمدتْه بسعد بن أبي وقاص،وعلى يد هؤلاء سقطت دولة الفرس.
لم يغمض للفرس جَفْنُ راحة منذ طرق المسلمون بابهم،فكان الخوف يطاردهم في نومهم ويقظتهم،ولولا أن الأمل يجدد أَسْمالَه وأثوابَه لدى الناس كلما قطعوا من الحياة مرحلة،لرأينا الفرس يعطون المسلمين مفاتيح عاصمتهم المدائن بلا قتال منذ جالت خيول خالد بن الوليد في العراق،ومزقت جموعهم تمزيقا..
وفي أثناء رحيل خالد بن الوليد إلى الشام،كان القصر الفارسي الحاكم يمر باضطرابات خطيرة،حيث قُتل كسرى أردشير،وقفز على كرسى المُلك رجل من خارج الأسرة المالكة،وهو كسرى شهربراز..
واحتشد من الفرس عشرة آلاف مقاتل يقودهم هرمز جاذويه لقتال المسلمين،فسار إليهم المثنى بن حارثة في كتائبه حتى نزل بابل،وهناك جاءته رسالة تهديد مغرور من كسرى،فكان جواب المثنى عليها أمهر من ضَرْبِهِ بالسيف!
كان الفرس يحاولون دائما تسكين خوف قلوبهم بكل الوسائل وها هم اليوم يسوقون لقتال المسلمين في بابل فيلا ضخما،لكنه ليس أضخم من جبنهم وخوفهم،ولا أضخم من سفاهتهم التي جعلتْهم يعبدون النار،ويُحلُّون نكاحَ الرَّجُلِ أمَّه وأختَه وابنتَه...!
ويتصادم الجيشان فوق أطلال بابل ومرتفعاتها،فيشق الفيل الصفوف،وينفِّر الخيول،ويوقع الاضطراب وسط تشكيلات جيش المسلمين.. ويتكفل القائد المثنى بنفسه ومعه نفر من أصحابه بالمهمة الصعبة،وهى قتل الفيل،فظلوا يتقدمون منه،يهزمون خوف قلوبهم من هذا الجبل الحيِّ،حتى أصابوا منه مقتلا،فخر الفيل صريعا،وعادت الحرب معركة طبيعية بين بشر وبشر،جرى فيها القتال شديدا،حتى هزم الفرس،وطاردهم المثنى حتى أبواب المدائن.
تأثر عمر بن الخطاب لوفاة صديقِه ووزير النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الأول أبي بكر الصديق،وعرضت لذاكرة عمر كثير من الصفحات البيضاء التي سجلها الراحل العظيم في خدمة دينه.. لكن ظلت وصية أبي