فهرس الكتاب
بكر لعمر بالمثنى بن حارثة وحشد الجند معه هى الهَمّ الشاغل للخليفة الجديد،فاستنفر المسلمين وشجعهم على الخروج لقتال الفرس في الليلة التي مات فيها أبو بكر،ثم جاء الصباح فبايع الناسُ عمرَ على الخلافة وعاهدهم على الحفظ والصيانة وحسنِ السير في رعيته،ثم عاد يدعوهم لجهاد الفرس وقتالهم ويمرّ يومٌ ويومٌ ويومٌ،ولا أحد يجيب،فقد كانت سيرة الفرس تثير الرعب في نفوس الناس،وكأن خالدا والمثنى والقعقاع لم يلعبوا بالفرس كما يلعب الأطفال بالكرة! فقام المثنى ليخترق الصمتَ الذي خيَّم على الناس،وحتى لا يكون صدى صوت عمر هو الذي يرد عليه حين يدعو الناس إلى الجهاد في سبيل الله... قام المثنى وخطب في الناس يعرِّفهم حقيقة الفرس،وأنهم وحوش بغير أسنان،وتلاه أمير المؤمنين يتساءل: أين عباد الله الصالحون؟! يتساءل عن الذين باعوا لله ما أعطاهم من المال والنفس،واشتروا رضاه وجنته...
وراحت الكلمات تكسر حاجز الخوف،وتتحول إلى مصباح أمام من ظن أن الفرس ليل بهيم،وإلى شبكة صياد محكمة في عيني مَنْ حسب أن أهل فارس وحشٌ كاسرٌ،وإلى جنود يملأون أوديةَ الدنيا أمام مَنْ رأى الفرسَ جيوشًا جرارةً لا نهاية لها. وارتفعت في سماء المدينة نسماتٌ نزلت على النفوس بردا وسلاما،فتقاطر الناس كما يتقاطر المطر،بعد أن بدأ بالإجابة أبو عبيد بن مسعود الثقفي فولاه عمر بن الخطاب قيادة جيش المسلمين المتوجِّه إلى العراق.
وقف المثنى مع نفسه بعد مسير خالد إلى الشام يزن قواته إلى الهدف الذي يريده،فهو يريد إتمام فتح العراق،والنفاذ إلى فارس والمدائن لتُنْصَبَ هناك راية التوحيد بدلا من رايات الشرك.. ولكن هذا هدف كبير،ولابد له من جنود.. وقرر المثنى أن يفد بنفسه إلى المدينة،طالبًا المدد،وملتمسا من أبي بكر السماح بمشاركة مَنْ حَسُنَتْ توبتُهم بعد الردة في الجهاد ضد الفرس ...
ويدخل المثنى المدينةَ يتذكر حين وطئها في وفد قومه،وأسلم بين يدى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكيف أن هذا اليوم كان يوم الفصل في حياته،إذ صنع منه إنسانا جديدا،ليس عبدَ صنمٍ ولا كوكب،ولكنه عبدٌ لله وحده.. وكما أحب المثنى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقد أحب صاحبه اللين الرقيق أبا بكر،وها هو قد اقترب من باب داره ليصافحه ويقبِّله.. ويدخل المثنى على الخليفة العظيم،فيفاجأ بأنه طريح الفراش،يحس بدنو أجله،حتى أنه كتب للناس كتابا بأن يتولى عمرُ من بعده إن رضوا.. لكن أبا بكر لا يشغله الموت وهو يزحف نحوه عن سؤال المثنى عن أحوال المسلمين بالعراق،فيخبره بما يسره،ويرجو منه الصفحَ عمن حَسُنَ إسلامُهم من المرتدين،فيوافق أبو بكر،ويطلب المثنى منه مددا،فيوصي الصديق خليفته عمر بن الخطاب بأن يدعو الناس للخروج إلى الجهاد مع المثنى وكان أول ما قام به عمر من أمر الخلافة أن ندب الناس للخروج مع المثنى،فألَّف جيشا عليه أبو عبيد بن مسعود الثقفي،ووجهه إلى العراق،وكانت لأبى عبيد جهود في الفتح شهدتها جبهة فارس.