فهرس الكتاب
لما قُتل القادة السبعة أراد عبد الله بن مرثد الثقفي أن يفقد المسلمين كلَّ أملٍ في العبور ليقاتلوا قتال المستميت،فإما أن ينتصروا،وإما أن يلحقوا بقادتِهم شهداءَ،فذاك عنده خير من الفرار من أمام العدو،فذهب عبد الله بن مرثد إلى الجسر فقطعه...
وهنا يتسلم المثنى بن حارثة اللواءَ في وضع شديد الصعوبة،فالمسلمون يفرون أمام الفرس،والفرس يتبعونهم،والجسر الذي يمكن أن يعبرعليه هو وجنوده مقطوع،وكثير ممن معه يرمون بأنفسهم في النهر ولا علم لهم بالسباحة فيغرقون.. فماذا يصنع؟
لقد أمر المثنى بن حارثة بعضَ رجاله بوصل السفينة التي قطعت من الجسر،وراح في كتيبة من أبطاله يوقف زحفَ الفرس،ومطاردتَهم للفارِّين من المسلمين،في بطولة نادرة،وقدرة هائلة على الضرب والطعن في كل اتجاه،وصَدِّ الضربات التي تأتى من هنا وهناك.. و نادى القائد في جنده ألا يتسرعوا في العبور حتى لا يغرِّقوا أنفسهم،وظل هو وكتيبة الأبطال التي معه يمنعون الفرس من تَتَبُّع المسلمين الذين يعبرون الجسر،حتى عبروا جميعا،وكان رجل ممن شهدوا غزوة بدر بدر هو سَليط بن قيس آخر من مات عند الجسر وهو يوسع طريق العبور أمام المسلمين ويرد عنهم الفرس.. وبعد أن عبر المثنى قطع الجسر حتى لا يتبعه الفرس،وبلغت إصابات المسلمين في هذا اليوم أربعة آلاف شهيد،مات كثير منهم غرقًا،وفرَّ ألفان،وأصيب المثنى نفسه إصابة كان لها ما بعدها.
حزن عمر بن الخطاب على أبى عبيد وشهداء يوم الجسر حزنا شديدا،وكان قد بلغه قبلها بقليلٍ انتصار المسلمين على الروم في اليرموك،فلم يدر أيفرح لهؤلاء أم يحزن لأولئك؟! كل ما هو متأكد منه هو أنه يجب عليه أن يدرك المسلمين بالعراق،ويرسل إليهم مددا بأقصى سرعة،فراح أمير المؤمنين يشجع الناسَ على الخروج للجهاد في سبيل الله،فجمع جريرُ بن عبد الله قبيلتَه بَجيلة وجاء بها،وتجهز هلال بن عُلَّفَة التميمي فيما اجتمع إليه من قومه الرِّباب،واستعد ابن المثنى الجُشَمي في رجال من قومه بني سعد،وأقبل ربعي بن عامر في أناس من بني عمرو،وغالب بن عبد الله في رجال من بني كنانة،وعَرْفَجَةُ بنُ هَرْثَمَةَ في الأزد،وتتالتْ فرق المجاهدين وكتائبهم من بني ضبة وعبد القيس وبني حنظلة،وغيرهم،فأرسلهم عمر بن الخطاب جهة العراق ليقاتلوا مع المثنى...
وكتب أميرالمؤمنين إلى مَنْ حَسُنَ إسلامُه من أهل الردة،فلم يأته منهم أحد إلا أمره بالمسير إلى العراق.
إن الأمير يقرأ عليكم السلام،ويقول لكم:"لا تفضحوا المسلمين"... رسالة شفوية قصيرة وسريعة بعث بها المثنى إلى فرقة من فرق جيش المسلمين اختل صفها أمام هجوم الفرس الكاسح يوم البُوَيب وفعلت كلماتُ المثنى في جنده فعل السحر فثبتوا في وجه الطوفان الفارسي،حتى ردُّوه...
لقد أفاق المسلمون بسرعة من لطمة يوم الجسر،برغم جراحاتها العميقة،فبعث المثنى بن حارثة إلى من جاوره من المسلمين يطلب منهم مددا،وبعث إلى أمير المؤمنين عمر يطلب منه مثل ذلك.. فجاءه