الصفحة 487 من 604

الناس من حوله في جمع عظيم،بل جاءته بعض القبائل النصرانية من العرب متطوعةً للقتال في صفِّه.. ودعا عمر بن الخطاب الناسَ وأرسل إلى القبائل يحثهم ويشجعهم على الجهاد،وأمدَّ المثنى بمدد كبير منهم...

وقبل أن يصل مدد عمر بن الخطاب بلغت كل هذه الأنباء أهلَ فارس،فأمَّروا مهران الهمذانى على جيش من جيوش الإمبراطورية الكبرى،وصلت أنباؤه المثنى وهو معسكِر بمرج السباخ،فكتب إلى قادة مدد المدينة ليسرعوا في تحركهم ويلاقوه في البُوَيب ... إنه سباق مع الزمن فإما أن يصل مهران أولا،وإما أن يصل المدد،والفرق كبير بين الحالين ... ويصل مهران متأخرًا عن مدد المسلمين فينزل بسوسيا من جهة الفرات المقابلة للمسلمين،ويكتب إلى المثنى"إما أن تعبروا إلينا،وإما أن نعبر إليكم"فيختارالمثنى الثانية،ولم ينس ما جرى يوم الجسر. فعبر الفرس ونزلوا شُوميا،وعبأ مهران قواته،فأقبلوا نحو المسلمين في ثلاثة صفوف مع كل صف فيل ضخم يتقدمه المشاة.. وراح المثنى ينظم رجاله،ويثبت أهل كل راية ويوصيهم،ويعطيهم إشارة بدء القتال بأربع تكبيرات،لكنه ما أطلق أول تكبيرة حتى اندفع الفرس بقوة،وصدموا صفوف المسلمين،فاختل بعضها،وبعث المثنى إليهم برسالته السابقة:"لا تفضحوا المسلمين"،فثبتوا لعدوهم كما تثبت الجبال للرياح الهوجاء حتى ردوهم،واستغل المثنى شهامة العرب حتى كسر صفوف الفرس،فتراجعوا يبحثون عن وجه للهرب بعد مقتل قائدهم مهران وقائد خيلهم شهربراز،فما وجدوا سوى الجسر ليعبروه إلى الضفة الأخرى،لكن المثنى سبقهم إليه وقطعه،فتفرقت بقايا العدو هنا وهناك،وخيول المسلمين تتعقبهم حتى قتلوهم،فبلغ قتلى الفرس في هذا اليوم المجيد مائة ألف ...

ومات في جراحهم بعض أعلام المسلمين،ومنهم مسعود بن حارثة الشيباني،وخالد بن هلال،فصلى عليهم المثنى ورتبهم حسب السن وما يحفظون من القرآن،وكان الفارُّون يوم الجسر أكثر الناس قتالا وثباتا في هذا اليوم.

وجرى هذا المشهد بتفاصيله في شهر رمضان من سنة ثلاث عشرة للهجرة.

في البُوَيب راحت شهامة بعض القبائل من نصارى العرب تمسح سفاهة إخوانهم الذين حالفوا الفرس ضد المسلمين العرب في وقعة أُلَّيس ووقْعة عين التمر وغيرهما،فقدِموا على المثنى في جنود من تَغْلِب والنمر وقالوا: نقاتل مع قومنا.. نقاتل العجم مع العرب..

وقد أراد القائد المثنى أن ينتفع بهؤلاء في تحطيم صفوف الفرس،وكسر شوكتهم الصُّلْبة،فأثار فيهم حمية العروبة التي أخرجتهم للقتال مع المسلمين،على الرغم من مخالفتهم لهم في الدين،واتفق معهم أن يهجموا على قلب العدو وقائده مهران،إذا رأوا المثنى يهجم،فحملوا بجملتهم على قلب العدو،وارتفع الغبار،وتحته جرى القتال نيرانا حامية،ولم يمنع الغبار الكثيف سيوفَ جنود المثنى،من رؤية رقاب العدو،بل ظفروا بقائده مهران،وشهربراز قائد جنود الخيالة،وظل القتال محتدما حتى فني قلب الجيش

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت