فهرس الكتاب
الفارسي،فلما رأت ميمنة المسلمين وميسرتهم ذلك تشجعوا وقووا على القتال،وكانت الحرب بينهم وبين عدوهم قبلها متكافئةً برغم شراستها،فراحوا يضربون العدو في مَقَاتِلِه،حتى حُسمت المعركةُ لصالح المسلمين...
قبل أن يبدأ القتالُ في معركة البُوَيب وجد المثنى،وهو يمر بالصفوف رجلا يتهيأ ويتقدم قبل أن يشير إليهم المثنى ببدء الالتحام مع العدو،فسأل المثنى الناس عنه،فقالوا: هو ممن فر من الزحف يوم الجسر!!
هكذا راح الفارُّون من يوم الجسر يلومون أنفسهم على الفرار ويوبخونها على ترك الميدان،ويحاولون تعويض ما فاتهم ... وكان فيهم رجال من المهاجرين والأنصار أهل الثبات والرسوخ،تركوا الميدان،فرجع بعضهم إلى المدينة،وسار بعضهم في البلاد حياءً من الله والناس ... وقد حزن عمر بن الخطاب لهؤلاء وتألم،وعذرهم لفظاعة ما لقوا من العدو..
ويوم البُوَيب عاد الكثير من هؤلاء للمشاركة في القتال،وكان المثنى يلاحظ قبل المعركة عدم استكانتهم في مواضعهم،وشوقهم إلى خوض القتال،لكنه كان مُصِرَّا على مراعاة النظام في مصادمة العدو،حتى التحم الجيشان،وانتحر العدو بسيوف المسلمين،فكانت سيوف المنهزمين يوم الجسر من أشد السيوف على الفرس يوم البويب... فلما انتهت المعركة شجَّع المثنى الناسَ في اليوم التالي على تتبُّع الفارِّين من جنود العدو،فكان أولَ من خرج وراءهم الفارُّون يوم الجسر،واتبعتهم بَجيلةُ وبعضُ خيالة المسلمين يعبرون الجسر بعد أن قطعه المثنى،فساروا في طلب العدو حتى بلغوا السِّيب،فأصابوا مغانم كثيرة،وظلوا يتقدمون لا يجدون بعد هلاك جيش مهران أحدا يعوق حركتهم،حتى فتحوا حصن ساباط..
في البُوَيب راحت شهامة بعض القبائل من نصارى العرب تمسح سفاهة إخوانهم الذين حالفوا الفرس ضد المسلمين العرب في وقعة أُلَّيس ووقْعة عين التمر وغيرهما،فقدِموا على المثنى في جنود من تَغْلِب والنمر وقالوا: نقاتل مع قومنا.. نقاتل العجم مع العرب..
وقد أراد القائد المثنى أن ينتفع بهؤلاء في تحطيم صفوف الفرس،وكسر شوكتهم الصُّلْبة،فأثار فيهم حمية العروبة التي أخرجتهم للقتال مع المسلمين،على الرغم من مخالفتهم لهم في الدين،واتفق معهم أن يهجموا على قلب العدو وقائده مهران،إذا رأوا المثنى يهجم،فحملوا بجملتهم على قلب العدو،وارتفع الغبار،وتحته جرى القتال نيرانا حامية،ولم يمنع الغبار الكثيف سيوفَ جنود المثنى،من رؤية رقاب العدو،بل ظفروا بقائده مهران،وشهربراز قائد جنود الخيالة،وظل القتال محتدما حتى فني قلب الجيش الفارسي،فلما رأت ميمنة المسلمين وميسرتهم ذلك تشجعوا وقووا على القتال،وكانت الحرب بينهم وبين عدوهم قبلها متكافئةً برغم شراستها،فراحوا يضربون العدو في مَقَاتِلِه،حتى حُسمت المعركةُ لصالح المسلمين...