الصفحة 490 من 604

أيُّ نفسٍ هذه التي يحملها المثنى بين جنبيه،رجل ابتدأ أمر الجهاد ضد الفرس وعلم أن الفرس منتفخون على ورمٍ لا قوةٍ ولا صحةٍ وعافيةٍ،فأخبر المسلمين بذلك،وهوَّن من شأن الفرس عندهم،فحطم جدار الخوف الذي صنعته الجاهلية في نفوس العرب،الذين إن كان من حقهم بالأمس أن يخافوا فليس من حقهم اليوم أن يخشوا في ذات الله أحدا،فبالأمس كانوا يطلبون القوة والمدد من الأوثان والأصنام العاجزة الصماء،واليوم يطلبون ذلك كله من الله القدير السميع العليم...

ومع ذلك كان أبو بكر ومِنْ بعده عمر يؤخران المثنى عن القيادة فتولاها مرةً خالد بن الوليد،ومرة أبو عبيد بن مسعود الثقفي،ومرة سعد بن أبي وقاص ... كل ذلك والمثنى جنديٌ مطيع،تفرض مواهبه أن يكون قائدا في كثير من الأوقات ...

وسعد اليوم قد جاء ينتظر أن ينضم إليه المثنى بقواته،لكنه ما وجده في انتظاره،ولا رآه فوق صهوة جواده يطيل رقبته ليرى مَنْ القادم.. وتأتى قوات المثنى تحمل وصية القائد البطل الذي دوَّخ الفرس،وأطاح بأحلامهم بعيدا،ووصيته هى: قاتلوا الفرس على حدود أرضهم،ولا تقاتلوهم في قعر دارهم ... فأين المثنى؟ لِمَ لَمْ يأت ليبلغ هذه الوصية العظيمة بنفسه؟ لقد اشتدت به جراحُ يوم الجسر،حتى ذهب إلى ربه شهيدًا حميدًا،ودفن الجسد النحيل الذي أنحلته كثرة الحروب والجهاد في سبيل لله بتُستر،وأصبحت اليد التي طالما حملت السيف مجاهدةً حبيسةَ الترابِ.. ويكفيه أنه حى عند ربه يرزقه..

قبل أن يتم حشد الجنود تحت لواء أبي عبيد الثقفي،ركب المثنى بن حارثة فرسه وأسرع نحو العراق مُجِدَّا في سيره ليرقب أحوال الحرب وتحركات الفرس من قريب،فلما نزل الحيرة كان القصر الحاكم في المدائن قد مرَّ باضطرابات كبيرة حتى قُتل كسرى شهربراز،وتولَّتْ مكانَه بوران بنتُ كسرى أبرويز،وولَّتْ أمرَ الحرب لقائدها الكبير رُسْتَم ...

واستفتح رُسْتَم أيامه مع المسلمين بأن أثار أهل السواد ـ وهو ريف العراق ـ ضدهم.. حتى انسحب المثنى بجنوده من الحيرة كي لا يُؤْتَى من خلفه،ونزل خَفَّانَ منتظرا مقدم أبى عبيد...

ويخرج أبو عبيد من المدينة في ألف من أهلها وحدهم،بعد أن أوصاه أمير المؤمنين بأن يسمع من أصحاب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ويستشيرهم ويشركهم في أمره،كما أمره بأن يصحب معه إلى الجهاد مَنْ حَسُنَ إسلامُه من أهل الردة ... ويسير أبو عبيد في كتائبه مودعا المدينة ومن بقي فيها من المسلمين وهو لا يدرى أيرجع إليها أم لا؟ ويصل إلى العراق بعد شهر من وصول المثنى إليها،وبعد استراحة أبي عبيد وجنده بدأت ملاحمه في مواجهة الفرس قائدا عاما للمسلمين في العراق فقاتل أهل فارس،وخاض ضدهم معركة في النمارق،ووقعة السقاطية،والجالينوس،وختمها بالجسر حيث مات شهيدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت