الصفحة 491 من 604

ها هو رُسْتَم يرتب أمر الحرب في رأسه قبل أن يرتبها على الأرض،فيهديه شيطانه إلى إشعال الأرض من تحت أقدام المسلمين نارا،بتفجير الثورة ضدهم،في الريف والقرى،ويبعث إلى كل جهة رجلا يتزعم هذه الثورة لتتحول إلى مجهود حربي منظم،ووعد من يثير الناس أولًا بأن يكون أميرا عليهم جميعًا.. ويختبئ رجال رستم تحت ظلمة الليل،يتحركون من مكان إلى مكان في خفاء،لا يثيرون ضجة،ولا يُشْعِرون بهم أحدا،حتى وصلوا إلى مواقعهم المحدَّدة لهم،وراحوا يتصلون بفلان وفلان من أتباعهم،ويجمعون أنصارهم،حتى صار السرُّ علانيةً،وبدأت الثورة تنطلق من قعر البيوت إلى الساحات الواسعة،حيث تتجمع تكتلات كبيرة من قوات الفرس ...

وكان جابان هو أول من نجح في إشعال الثورة في فرات بَادَقْلَى.. ومن هنا بدأ المثنى يتحرك بقواته إلى خَفَّان حتى قدم عليه أبو عبيد،وينزل جابان النمارق بقوته لتكون ميقاتا مكانيا لجولة جديدة بين المسلمين ـ يقودهم أبو عبيد وعلى خيلهم المثنى،وعلى ميمنتهم والق بن حيدارة،وعلى ميسرتهم عمرو بن الهيثم بن الصلت ـ وبين الفرس ـ يسوقهم جابان وعلى ميمنتهم وميسرتهم جشنس ماه ومردانشاه..

وتشتعل الحرب،ويشتد القتال،ويجد الفرس أماهم ما لا قبل ولا طاقة لهم به من الرجال،صلابة وصبرًا وشدة؛ فتلين قوتهم وتضعف حميتهم،حتى صرع من الفرس كثيرون،وأسر مردانشاه وقتل؛ بل أسر قائدهم الأكبر جابان،لكن القائد أبا عبيد تركه حين أمنه رجل عادي من وسط جيش المسلمين.. وتتبع المسلمون الفارين من عدوهم حتى قتلوا منهم،ولجأ من نجا إلى نرسى وقواته،وكان الميقات الزمانى لهذه المعركة هو سنة ثلاث عشرة من الهجرة.

"كن رجلًا".. هذه هي الوصية التى أوصت بها بوران ورُسْتَم القائدَ نَرْسى ابنَ خالة كسرى وهو متوجّه لقتال المسلمين ... ولكن كيف ذلك والإمبراطورية الفارسية كلُّها لم تجد رجلا يتولى المُلك عليها؟! تُرى كيف فهموا الرجولة؟ أَطُولٌ هي في الجسم وعرضٌ،أم مالٌ وفيرٌ وغنى واسعٌ؟! إن الرجولة هى بَسْطَةٌ في العلم والجسم وشجاعةٌ في القلب ومبادئُ رفيعةٌ في العقل ...

ينزل نَرْسى وجندُه بكسكر،وينزل معهم الفارُّون من هزيمة يوم النمارق،وبدلا من أن يكونوا قوة تنضاف إلى قوة نَرْسى،كانت رائحة الهزيمة التي ذاقوها تبعث جوا من التشاؤم في سماء المعسكر،حتى تفتَّح الأمل في نفس الفرس ثانية حين بلغهم أن رُسْتَم بعث لهم مددا يقودُه الجالينوس،لكن أبا عبيد أسرع إليهم بجنده ليقطف هذا الأمل قبل أن يشتد عوده ويقوى،فتقاتل المسلمون والفرس جنوب كسكر بالسقاطية،واتسع ميدان الحرب،فشهدت صحارى مُلْس قتالا شديدا حتى نصر الله جنده،وفر قائد الفرس ناجيا بنفسه،فخرَّبَ أبو عبيد ما كان حول معسكر العدو من مناطق كسكر،لكي لا يعسكر الفرس فيها مرة أخرى.. كما أرسل أبو عبيد قادتَه ليفضُّوا جموع الفرس التي ثارت في القرى والأرياف،وتجمعت في أماكن أخرى عديدة،فأدوا ذلك بنجاح تام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت