لقد ضربت القوى الغاضبة هذا الاتجاه وعزلته عن جذوره، كما ضربت من قبل الخيوط التي تجمعت في يد السلطان عبد الحميد، وهكذا فإن إسقاط الخلافة لم يكن وفق سنة طبيعية أو قانون اجتماعي صحيح، ولكنها كانت عملية إجهاض زيفت لها مبررات خادعة استطاعت أن تضلل البعض ولذلك فإن الخلافة الشرعية ستظل في فقه المسلمين وشريعة الإسلام وقلوب المؤمنين وعلى أقلام كتاب الإسلام عامودًا أساسيًا. فهي جزء لا يتجزأ من الإسلام، ولعلها سقطت لتسقط معها خلافة عجزت عن تطبيق الإسلام تطبيقًا حقيقيًا، ليعود من بعد على مفهومها الأصيل وهو ما تتطلع إليه قلوب المسلمين وتهفوا وتعده من آمال القرن الخامس عشر.
حقيقة مؤكدة:
والحقيقة التي يؤكدها الباحثون المنصفون: أن المسلمين لم يناموا على الضيم منذ أسقطت الخلافة الإسلامية وهم لا يستنيمون أو يفرطون أو يغيب عليهم مدى خطرها وجلال شأنها والآثار التي ترتبت على حجبها.
ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم فإن الخلافة الإسلامية مبثوثة في كل أعمال التضامن الإسلامي والرابطة الإسلامية والأخوة الإسلامية الجامعة.
وقد أحس المسلمون اليوم بأن محاولات التجمع الوطني والقومي لم تنجح لأنها ليست هي الوجهة الحقة الصادرة من أعماق الفطرة، وإن المنهج الصحيح هو اجتماع كلمة المسلمين وقيام ذلك الرباط القوي بينهم مرة أخرى، بعد أن تراخى في السنوات الماضية تحت تأثير الدعوات الإقليمية والقومية، غير أن هذه السنوات قد شهدت عشراتا المؤتمرات والأبحاث والمشروعات والدعوات التي تفتح الطريق إلة وحدة المسلمين وتحقيق الغاية الكبرى.
ومن هذا العرض التاريخي فإننا نصل إلى حقيقتين:
الأولى: أن الخلافة هي بؤرة الجامعة الإسلامية وأن الجامعة الإسلامية يمكن أن تقوم أولًا ثم تنبثق منها الخلافة، وأن حركات التحرر والوحدة والتقارب التي تجرى اليوم في عالم الإسلام يمكن أن تحقق ترابطًا ثقافيًا واجتماعيًا قبل أن يصبح سياسيًا وعسكريًا.