الصفحة 131 من 570

ومثّل الرسول صلى الله عليه وسلم لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخطورة تركه ، بمثل بليغ ، وصورة مؤثرة ، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، عن النب‍ي صلى الله عليه وسلم قال: (( مثل القائم ف‍ي حدود الله ، والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، وكان الذين ف‍ي أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم ، فقالوا: لو أنا خرقنا ف‍ي نصيبنا خرقًا ، ولم نؤذ من فوقنا . فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا ) ) [رواه البخاري] ، وهذا الحديث دليل صريح على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه هلاك الأمة بأسرها ، وكفى بذلك رادعًا وزاجرًا عن التراخي فيه أو الإعراض عنه .

وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب ، أوضحها الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) ) [رواه مسلم] .

وهذا دليل على أنه من كان له سلطان على غيره ، واستطاعة على تغيير المنكر بيده ، دون حدوث مفسدة أكبر ، وجب عليه مباشرة تغيير المنكر على هذه الرتبة . ومن لم يكن له استطاعة على تغيير المنكر بيده ، ولكن لديه علم يبين به المنكر لصاحبه ، ويستطيع إبلاغه ، دون حدوث مفسدة أكبر ، كان النهي عن المنكر باللسان ف‍ي حقه أوجب . أما من لم يستطع تغيير المنكر بيده ، ولا النهي عنه بلسانه ، خوفًا من أذى يصل إلى درجة الضرر الشديد ، أو القتل ، أوخشية من مفسدة أكبر تقع بسبب هذا النهي ، فإن إنكاره بقلبه ، وبغضه له ، كافٍ ف‍ي سلامته من التبعة ، ونجاته من الإثم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت