الصفحة 132 من 570

وقد فهم بعض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، أن من لوازمه الشدة والغلظة ، بمقتضى أنه أمر ونهي ، فأغلظوا الأمر والنهي ، حتى اقترن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بمعنى الشدة والغلظة ، ونفر كثير من الناس من قبوله ، إلاّ على سبيل الإكراه والإخضاع مع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ف‍ي حقيقته يقتضي الرفق ، وحسن الخلق ، قال الإمام الفقيه المجاهد الداعية إلى الله أحمد بن تيمية الحراني ف‍ي رسالته (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ): (( والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ، بالمعروف ، ونهيك عن المنكر غير منكر ) ) [1] .

وبسبب هذا الفهم السقيم لمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وادعاء أنه يعني الغلظة والفظاظة نفر منه جماعةٌ من الدعاة إلى الله واستوحشوه ، وعدّوه منافيًا للرحمة والشفقة ، حتى قال قائلهم: نحن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر ، وإنما ندعو إلى الله ، لأنّ الدعوة فيها الرحمة والشفقة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه الغلظة والشدّة .

فسبحان الله! كيف ورد هذا الفهم على قوم يدّعون لأنفسهم السير على منهج الأنبياء ف‍ي دعوتهم وتبليغهم . إن هذا الفهم السقيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند هؤلاء ، وغيرهم ، إنما ورد عليهم والله أعلم من موارد الجهل ومن متابعة بعض الصوفية ف‍ي أصولهم ومفاهيمهم . وذلك لاعتقادهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخالف معنى الرحمة التي أرسل ب‍ها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا من جهلهم وانحراف فهمهم ، وإلاّ فإنه من أخص صور الرحمة التي أرسل ب‍ها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وأظهرها ف‍ي دعوته .

(1) الإمام ابن تيمية ـ رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ص17 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت