فهرس الكتاب
ومما يدل على عظم المسئولية ، وثقل الأمانة في الدعوة إلى الله ، ما رواه الحافظ أبوبكر البيهقي في الدلائل ، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ، من حديث ابن عباس عن علي بن أبي طالب ، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:214،215] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عرفت إني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره ، فصمتّ . فجاءني جبريل عليه السلام ، فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار ) )، قال: فدعاني ، فقال: (( يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فاصنع لنا ياعلي شاة ، على صاع من طعام ، وأعدّ لنا عسّ لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب ... ) ) [1] الحديث ، ففي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( عرفت إني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره ، فصمت ) )، دليل على استشعاره صلى الله عليه وسلم ، ثقل الأمر ، وعظم المسئولية .
هذا وليس من البلاغ المبين ، وأداء الأمانة في شيء ، أن يدفع الداعية إلى الله عن نفسه الحرج ، بالتخفف من صراحة الإنذار ، ووضوح البيان ، فيقتصر في خطابه للناس بالدعوة على مايرضيهم ، ويسكت عما يكرهونه ، وينفرون منه ، موافقة لهواهم ، واتقاءً لأذاهم ، ثم يدعي مدعٍ أن هذا من باب الحكمة ، وعدم التنفير ، والسعي لاستدراج المدعوين إلى الهداية .
ويكفي أن يقال لمثل هذا: فما بال أنبياء الله ورسله ، لم يتجنبوا ما تجنبته من خطاب الناس ، وما سلموا مما سلمت منه؟؟ ، أبلغت من الحكمة ما لم يبلغوه؟ أم قصّرت في البلاغ المبين الذي بلّغوه؟؟!! .
2-التعرض للأذى:
(1) ابن كثير ـ البداية والنهاية ـ 3/37 .