فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 119

أي استمرار الدعوة وعدم انقطاعها، وذلك إذا كانت الدعوة عبادة فلا يتصور التقصير فيها أو التفريط أو الانقطاع عنها، لأن العبادة لا تسقط إلا بالوفاة أو العجز عنها، ومن المعلوم أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، ولذلك كان علم رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- ديمة وكان إذا عمل عملًا داوم عليه، وقال -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99) وحتى إذا لم يجد الداعية استجابة من المدعوين فإنه لا ينقطع عن دعوتهم؛ لأنه مأمور بها وليس مأمروًا بتحقيق النتائج فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والهداية التي هي خلق الإيمان والهدى والتقى في قلوب العباد إنما هي بيد الله، وليست بيد أحد سواه، وبالتالي فإن الداعية ينبغي عليه أن يستمر في دعوته بغض النظر عن النتائج وبغض النظر عن كثرة الأتباع أو قلتهم، وأن الداعية مأجور على دعوته إذا قام بها ولذلك ينبغي أن يكون انشغال الداعية بما أوجب الله عليه من إبلاغ الحق واستفراغ الوسع والطاقة في ذلك، قال تعالى عن نوح عليهِ السلام: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) (نوح5، 10) .

فنوح -عليه السَلام- استمر في دعوته في جميع الأوقات بالليل والنهار، واستخدم جميع الوسائل في دعوته في دعوة الأفراد وفي العلن في مجتماعاتهم ونواديهم مع أن الذين استجابوا له كانوا قلة، ولكنه استمر يؤدي ما أوجب الله عليه من الدعوة ألف سنة إلا خمسين عامًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت