ومنذ أدركتُ هذه الحقيقة لم أجدْ في أقدار الله الشرعية والكونية إلا الخير وحسن العاقبة ، وكثيرًا ما ذكرتُ نفسي ومن ابتلاهم الله بتذكيري (مع كثرة خطئي ونقصي) أنّ الحياة مثل قطعة النقد المعدنية لا تخلو من وجهين ، وجهٌ قد يريده العبد ووجه قد لا يريده ، فإن وجه نظره وفكره إلى الوجه المرغوب فيه لم يرَ في الحياة إلا ما يسعده ، وإن وجّه نظره وفكره إلى الوجه المرغوب عنه لم يَرَ في الحياة إلا ما يشقيه وكان حريًَّا أن لا يشكر نِعَم الله عليه {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [ النحل: 18] ، وأكثر شقاء العبد بدنياه مصدره: التطلع إلى ما لم يقدّره الله له والانشغال بذلك عن ذكر وشكر ما أسبغ الله عليه من نعمة .
ب- تذاكرنا مرة هذا الأمر العظيم الفارق بين السعادة والشقاء ؛ فعَرَض أحدنا صورة شعرية صغيرة لواقع هذا الأمر في الحياة اليوم والأمس:
هبَّت الريحُ فملاّح شكا ... طول مسراه وملاَّح شكر
ليس في الريح سرورٌ وأسى ... إنما في النفس ما ساء وسرّ
قدرُ الله واحد على الملاّحَيْن ؛ كلاهما منَّ الله عليه بإرسال الريح تسوق السفينة ولو شاء لأسكن الريح فظلت راكدة على ظهر البحر ، ومع جريان السفينة يطول المسرى والسهر والتعب ، فأحدهما وجه نظره وفكره إلى السّهر والتعب فشكا ، ووجّه الآخر نظره وفكره إلى مِنّة الله بإرسال الريح والانتفاع بالسفينة التي أجراها الله بها فشكر .
ج- وقرأت مرّة مقابلة مع شيخ تجاوز الثمانين وشابٍّ في الثلاثين يرويان ذكرى اشتراكهما في رحلة عبر صحراء جزيرة العرب بين مكة والرياض ، وكان الشيخ المثقف المترف لا يذكر إلا الهواء النقي وسماء الليل الصافية ونجومها المتلألئة والحياة الفطرية العزيزة المنال ، وكان الشاب المثقف المترف لا يذكر إلا التعب والغبار والتخلف الحضاري للبدو .