ولقد رأيت أن أجمع بعض هذه الرسائل في كتاب واحد؛ عسى أن ينفع الله به في هذا الزمان وغيره، فيلزم من وقف عليه طريق العدل والوسط، ويحذر من مناهج أهل الشذوذ والشطط، ويزداد ثقة بالحق وأهله، ويزداد قدرة على رد شبهات الغلاة، فإن الشبهات خطافة، والقلوب ضعيفة، لاسيما وهذه الطائفة الشاذة لم تحظ بردود علمية، مفصَّلة، صريحة بالقدر المطلوب من أهل العلم ـ جزاهم الله خيرًا ـ، وذلك لاشتغالهم بما يرونه أهم من ذلك، أو لأن لهم في ذلك نظرة أخرى.
وقد سميت هذا المجموع"الدفاع عن أهل الإتباع"وراعيت فيه الترتيب الزمني لهذه الرسائل، وإن كنت عند المراجعة لبعض المواضع المتقدمة، قد أذكر بعض الأحداث الجديدة للحاجة والمناسبة.
ومع وجود علماء وطلاب علم كانوا أولى مني بالتصدي لتفنيد شبهات هذه الفئة النابتة على وجه التفصيل والتصريح؛ إلا أنني رأيت اكتفاء أكثرهم بمجرد التحذير المجمل من هذا المسلك، ورأيت أن ذلك لم يثخن في تلك القواعد الجائرة، ولم يكشف حقيقة تلك البضاعة البائرة الخاسرة؛ فاستعنت بالله في بيان حقيقة هذه الفكرة الدخيلة، المزاحمة للدعوة السلفية الأصيلة، وما كان لله يبقى.
وإن من المناسب هنا أن أذكر ما ذكره الشيخ محمد المختار بن أحمد الجكني الشنقيطي ـ رحمه الله تعالى وأصلح ذريته ـ في مقدمة كتابه:"شرح سنن النسائي" (ص6ـ8) فما أراه ـ رحمه الله ـ إلا وقد ناله من شر هذه النابتة شيء كثير، وأرى ... أنه يعبر عما أعانيه، وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد قال ـ رحمه الله تعالى ـ:"لكن الثقة بعون الله تعالى إذا حسنت النية؛ حملتني على الإقتحام، وجرأتني على رفض التواني والإحجام، فَشَمَّرْتُ عن ساق الجد، واستعنت بالله، فإنه خير معين وممد."
وَقَلَّ مَنْ جَدَّ في أمر يحاوله ... فاستعمل الصبر إلا فاز بالظَّفَرِ