عَرَفْتُ هواها قبل أن أَعْرِفَ الهوى ... فصادفَ قلبًا خاليًا فتمكَّنَا!!
فهانت السنة على نفوس هؤلاء، فقدَّموا عليها أقوال ربيعهم، بل صرَّحوا بأن الحق لا يخرج عنه في هذه الأمور، ولم يخجل كثير منهم أن يصرح بتقليده، وإهدار قول غيره لقوله، بل اتهام مخالفه -ولو من طرف خفي- عالمًا كان أو غيره، فنخشى أن يُنَاَدَى على هؤلاء -إن تمادوا في ذلك- بهذا النداء المفجع: {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) } [هود: 44] ولقد صدق عليهم قول أحد إخواننا في قصيدة له على غرار لامية ابن تيمية:
عَجَبًا لَمِنْ نبَذَ الدليلَ وراءَهُ ... وإذا استدَلَّ يقولُ قال المَدْخلي
وعلى كل حال: فها هو محصّل ما استدل به في هذه الرسالة، ولا يخرج عن كون بعضه بعيدًا عن موضع النِّزاع، أو أكثره دليلًا لي عليه، والله المستعان.
* الشبهة العشرون: استهل الشيخ رسالته-هذه-بوصف المخالفين له، بأنهم نوابت، يسعون لحرب السلفية ... إلخ التهويلات المعروفة!!
والجواب عليه: «البينة على المدعي» ؛ فأثْبتْ - يا صاحب الفضيلة - أن قواعدك التي تسير عليها، هي قواعد أهل السنة، بالأدلة الشرعية، والآثار السلفية، لا بالاستكثار بمدح فلان لك، أو عدم إنكار فلان عليك، ثم بعد ذلك صِفْ مخالفيك بهذا الوصف!!
أما وقد أظهَرْتُ لك ولغيرك - في «قطع اللجاج» و «القول المفحم» وهذا الكتاب، أن بينك وبين طريقة السلف والخلف- في هذه المسائل وأخريات غيرها- مفاوزَ تنقطع فيها أعناق الإبل؛ فقد آن الأوان أن تعيد النظر في طريقتك المخالفة، ودعوتك التي خَلَفْتَ بها العلماء على دعوتهم شر استخلاف: فمزّقت الدعوة، وشغلت القائمين عليها بقضايا مخترعة، ما عرفناها عن أئمتنا، ولا عرفنا لها دليلًا من كتاب أو سنة، وإن كان لبعضها أصل؛ فلم تقتصروا على هذا الحد الشرعي، بل وسَّعْتُم الهوة، وأبعدتم الشُّقّة، فصرفتم الناس عن العلم والعمل، إلى الجهل والجدل -علمه من علمه، وجهله من جهله- وأغلقتم أمام الناس باب التزكية، وفتحتم باب الغيبة،