وإذا كانت أغراض الرحلة قبل الإسلام التجارة عمومًا والبحث عن الكلإ والماء للماشية في المراعي، فإنها اتخذت لها بعد الإسلام طابعًا جديدًا في دوافعها التي بدأت تتعدّد ومقصدها المتطور جدًا، ثم في شكلها المتميّز أدبيًا وعلميًا بصفتها عملًا مدوّنا ذا طابع فكري-علمي، بجوانبه التاريخية والجغرافية والاجتماعية والأدبية، وهي جوانب تختلف حظوظها في الرحلات بحسب الكاتب وهدفه وطريقة تعبيره في صياغة رحلته.
ذلك أنه بعد ما خرج العرب من معركة الفتوحات لتبليغ رسالة الإسلام في الأرض تكوّن لديهم رصيد من المعلومات عن الأوطان المفتوحة وتطلّعوا إلى ما وراءها، كما بدأت تتّسم رؤية الرّحالين للأوضاع في هذه البلدان وفي الأقطار العربية، كما هو الحال خارجها من بلدان المعمورة لمعرفة مناخها ونوع الحياة فيها:
تنفيذًا لرغبة خاصة أو قيامًا بمهمة في سفارة أو غيرها.
وهكذا شرع فنّ الرحلة يحتلّ مكانة معتبرة في النثر العربي، وقد بدأ ذا اهتمامات تاريخية جغرافية، تدرّج في التطوّر للاهتمام بحياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم ونظم الحكم وأساليب العيش، وأشكال العلاقات بين الناس، كما مضى يتطور ليكتسي أسلوبًا أدبيًا يعانق فيه الواقع الخيال، ويتآزران في وصف الأوضاع والبلدان وحياة الناس ومشاعرهم.
وبالموهبة والحس الأدبي والخيال يكتسي عمل الرحالة أهميته الأدبية الخاصة التي تعطي الرحلة رونقها الأدبي الذي تنهض فيه أساسًا على المشاهدة المباشرة وحدها، أو مع السماع والإطلاع على المصنفات التاريخية والجغرافية وغيرها، لذا اختلفت مستويات الرّحلة في طابعها الأدبي أو في قربها منه أو بعدها عنه، فمنها ما كان رحلة أدبية خالصة، ومنها ما كان عملًا تاريخيًا محضًا أو جغرافيا بحتا أو هما معا أو أثنوجرافيا (1) صرفا. وربّما اجتمعت عناصر مختلفة من هذه كلّها في لبوس أدبي يوفّر معرفة واطّلاعًا ومتعة أدبية وأثرًا فكريًا وفنيًا.