وعند النظر في مسيرة الرحلة في النثر العربي تلوح لنا فيها معالم بارزة جسدتها أعمال كثيرة لرحّالين مختلفين، يأتي ذلك الاختلاف من نوع العمل عند كلّ رحّالة وكذا عصره ممّا يخرج بحثه عن موضوعنا هنا، لكنها جميعًا تبرز مكانة معتبرة للرحلة في النثر العربي منذ القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية.
وقد كان من أول الجهود البارزة في فترة متقدمة عمل اليعقوبي (أبو العباس أحمد بن يعقوب) (2) في القرن الثالث الهجري بمؤلّفه (كتاب البلدان) الذي عكس شغف المؤلف بالرحلة وتطلّعه لما يجري في الأوطان، وكذا البلاذري (أحمد بن يحيى) (3) صاحب (فتوح البلدان) الذي يغلب في عمله"جانب التاريخ على جانب الجغرافيا... ولقد حفظ لنا البلاذري مادة هامة في محيط الجغرافيا التاريخية يستحيل معها إغفال ذكر صاحبها في عرض للأدب الجغرافي" (4) .
ولا يكاد يهلّ القرن الرابع الهجري (10م) حتى يشهد بالخصوص ثلاثة أعلام، أولهم: المسعودي (أبو الحسن علي بن الحسن المسعودي) (5) صاحب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) الذي يقول فيه:"صنفنا كتابنا في أخبار الزمان وقدمنا القول فيه في هيئة الأرض ومدنها وعجائبها وبحارها وأغوارها، وجبالها وأنهارها، وبدائع معادنها وأصناف مناهلها وأخبار غياضها، وجزائر البحار، والبحيرات الصغار وأخبار الأبنية المعظمة، والمساكن المشرّفة، وذكر شأن المبدأ وأصل النسل وتباين الأوطان" (6) ، وقد أعطى المسعودي أهمية كبرى للمشاهدة والبحث أثناء التّرحال"ليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نمي إليه من الأخبار عن أقليمه كمن قسّم عمره على قطع الأقطار ووزّع أيامه بين تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه" (7) .
وقد بدا المسعودي في كتابه ذا اهتمام"بالعرض الأدبي الذي يحتلّ أحيانًا بالنسبة له المكانة الأولى... كان أديبًا قبل كل شيء وناشرًا للمعارف على منهج الجاحظ... مع ميل أكثر نحو الجدية ونحو الأسلوب القصصي" (8) .