وهكذا يكون البيروني همزة الوصل بين القرنين الرابع والخامس من الهجرة (10-11م) وهي الفترة التي بلغ فيها فنّ الرحلة النضج"فقد زخر بمصنفات مهمة بلغت أوج التطور الخلاّق كحركة مستقلة بذاتها" (15) تحددت سماتها في المؤلفات السّابق ذكرها، ثم اطّردت في القرن الخامس الهجري، حيث يبرز في البداية البكري (أبو عبيد اللَّه ابن عبد العزيز البكري) (16) صاحب كتاب (المسالك والممالك) وهو -هذه المرة- من الغرب الإسلامي، ويعتبر"أكبر جغرافي أخرجته الأندلس كما يقول دوزي" (17) ، ومن نفس المنطقة يذكر الباحثون شخصية أخرى هو الفقيه ابن العربي (أبو بكر محمد بن العربي) (18) الذي ترك (اشبيلية) في اتجاه المشرق في نحو السادسة عشرة من عمره، غير أن رحلته التي تنسب إليه بعنوان: (الرحلة) أو (ترتيب الرحلة) تعتبر مفقودة.
وابتداء من هذه الفترة بخاصة تبدأ منطقة الغرب الإسلامي عمومًا والمغرب العربي خصوصًا تشهد حركة متطورة في أدب الرحلة تستلم فيها من المشرق الإسلامي عمومًا والشرق العربي خصوصًا المشعل في هذا الفنّ الأدبي بخلفيته التاريخية والجغرافية والاجتماعية، فيبرز في ذلك أعلام يتميز من بينهم في هذا القرن (السادس الهجري) الشريف الإدريسي (أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن إدريس) (19) من أسرة الأدارسة العلويين بالمغرب الأقصى وقد عرف بكتابه الذائع الصيت (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) الذي أمتاز بشكل خاص"بغزارة مادته في جغرافية المغرب وصقلية" (20) أما المؤلف فقد وصفه أحدهم بالمفكر المثقف الرزين (21) .